حظي الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف بشعبية وجماهيرية عالمية لم يحظ بها أي حاكم في تاريخ الكريملين، وحصل على الكثير من الميداليات والأوسمة من الكثير من دول العالم، وأصبحت كلمة «بيرسترويكا» الروسية بفضله كلمة عالمية تعرفها شعوب العالم، وإن كان معظمهم لا يعرف معناها «إعادة البناء»، وقد جمع جورباتشوف ثروة كبيرة بعد عزله وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي من وراء المحاضرات والكتب واللقاءات والأحاديث الصحافية والتلفزيونية التي أجراها في مختلف دول العالم.
ورغم هذا مازال جورباتشوف شخصية غير محبوبة في روسيا نفسها، ومازال يعيش في بلده في عزلة، حتى وسائل الإعلام الروسية لا تعيره أي اهتمام، وفي استطلاع للرأي مع مستويات مختلفة وأعمار مختلفة من الناس في روسيا كشف عن نسبة عالية للغاية من الكراهية لجورباتشوف من كبار السن لأنه تسبب في انهيار الاتحاد السوفييتي.
بينما النسبة الغالبة من الشباب ومتوسطي العمر تكرهه لأنه فتح البلاد للمافيا واللصوص، أما العسكريون فيرفضونه لأنه أهان كرامة الجيش الأحمر وجعل أبطاله يبيعون أوسمتهم على ناصية الشوارع، ولقد أخطأ جورباتشوف خطأ كبيراً عام 1996 عندما جازف باسمه وقرر أن يترشح في انتخابات الرئاسة الروسية، فجاءت النتيجة مخزية، حيث جاء ترتيبه قبل الأخير بين نحو عشرة مرشحين وقذفه الشباب بالبيض الفاسد أثناء حملته الانتخابية.
جورباتشوف في الواقع ليس شخصية سهلة، بل على العكس، فهو شخصية حادة وعنيدة، ورغم مرور ثمانية عشر عاماً على تركه الحكم وانهيار الاتحاد السوفييتي إلا أنه مازال مصمماً أنه كان على حق وأنه لم يرتكب أي خطأ، ولكن على ما يبدو أن كبر السن واقترابه من الثمانين من عمره جعله يتراجع عن عناده ويعترف بأخطائه.
في حديث تلفزيوني منذ أيام قال جورباتشوف «لقد كانوا يسرقون روسيا أمام عيني وأنا في قمة الحكم، وحتى الآن لا أستطيع مسامحتهم على ما فعلوا، ولا أستطيع مسامحة نفسي لأني لم أرسل بوريس يلتسين إلى حيث كان يستحق، سوء الإدارة يعتبر من أفدح الأخطاء وهذا تتبعه أخطاء سياسية أخرى».
وحول رأيه في السياسة الأميركية في ظل إدارة الرئيس أوباما قال جورباتشوف «الولايات المتحدة تحتاج «لبريسترويكا» خاصة بها، لقد قلت لهم ذلك في محاضرة ألقيتها مؤخراً في إحدى الجامعات الأميركية وصفق الحاضرون لي وقوفاً.
اعتقدت أن هناك أشياء في الولايات المتحدة لا يمكن أن تستمر على هذا النحو وخاصة تجاه روسيا، لا أعتقد أن أحداً في روسيا يريد شن حرب على الولايات المتحدة.. لم نخطط نحن لذلك أيضاً عندما كنا في السلطة ولا تريد القيادة الروسية الحالية ذلك. الكل رأى كيف بذل بوتين جهوداً كبيرة لتحسين العلاقات. ولكن للأسف هذا لا يتوفر لدى الطرف الآخر.
يقول جورباتشوف «روسيا كانت ضعيفة في ظل حكم يلتسين واقتصادها كان منهاراً.. الموظفون كانوا لا يحصلون على رواتبهم ولم تكن هناك فرص للعمل. لكن جميع زعماء العالم جاؤوا إلى روسيا وصفّقوا ليلتسين، في ذلك الوقت أدرك الروس ما يريده العالم منهم، لقد كانوا يريدون أن تكون روسيا مقيدة ومعدمة.. لكن هذا لا يمكن أن يحدث والآن عندما بدأت روسيا بفرض نفسها.. أصبحوا نزقين لأنهم تعودوا أن يُملوا على روسيا ما يجب أن تفعل».
شخصية جورباتشوف العنيدة ظهرت في إجابته على سؤال «هل مازلت لا تؤمن بالله؟» قال: سبق لي أن زرت ديراً في إيطاليا فكتبت الصحف على الفور أنني تبنيت الكاثوليكية.. فرددت قائلاً إنني أقصد المعالم الدينية في كل الأماكن التي أزورها ــــ المعابد البوذية والمساجد والكنس اليهودية لأنها كلها جزء من ثقافة شعوب العالم. أنا معمَّد، لكنني لم أكن أبداً أؤمن بالله.
كاتب روسي