بدأت الحملة الانتخابية الرئاسية في الجزائر الأسبوع الماضي، وفى الوقت الذي يجمع فيه المراقبون على أن فرص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هي الأقوى في الفوز في الانتخابات المقرر لها أن تجرى في 9 ابريل المقبل لعدم وجود منافس جدي له، جاءت الحملة في أيامها الأولى فاترة خالية من القضايا المهمة وبدا منها أن المرشحين يريدون فقط إثبات أنهم منافسون للرئيس في الانتخابات وأن أيا منهم لا يسعى إلى الفوز فيها.
وقد غاب عنصر التشويق عن الانتخابات بما جعل وسائل الإعلام تتعامل مع هذا الاستحقاق باعتباره محسوم سلفا لصالح الرئيس، لأنه مرشح السلطة من جهة، ولأنه سبق له خوض الانتخابات مرتين وحقق فيها الفوز الأمر الذي يعزز من فرصه مقارنة بمنافسيه، الأمر الذي حول الحملة الانتخابية إلى وجهة ثانية تماما وهى سعى المرشحين إلى فرض جدول أعمال على الرئيس لكي ينفذه في مرحلة ما بعد الانتخابات. فعلى سبيل المثال فان المرشحة اليسارية لويزة حنون تقدم برنامجا يقوم على ضرورة سيادة الدولة على المحروقات وترفض سياسات الخصخصة، وتسعى في نفس الوقت من أجل رفع أجور العمال الجزائريين.
في الوقت الذي قدم فيه مرشح آخر وهو على فوزى رباعين رئيس حزب عهد 54 نفسه باعتباره مرشح الفقراء ويطرح برنامج يتضمن سبعة محاور رئيسية تصب كلها في خانة «ضرورة وحتمية التغيير الجذري». و«إصلاح مؤسسات الدولة من خلال إثراء الدستور وترقية حقوق الإنسان وتفعيل المجتمع المدني وإعادة التنظيم المؤسساتي».
وكل هذه القضايا ليس لها علاقة مباشرة بقضايا الفقر فضلا عن أنها تتسم بالعمومية ويطرحها باقي المرشحين سواء بنفس الصيغة أم بصياغات أخرى. ومن الأيام الأولى للحملة الانتخابية اتضح أن معظم المرشحين يطرحون برامج تتسم بالعمومية ولا تقدم بدائل محددة للسياسات الحكومية اللهم إلا مرشحة حزب العمال التي يبدو أنها تسعى إلى توسيع شعبية حزبها وكسب فرصة من اجل طرح سياساته على الرأي العام الجزائري.
ومشكلة خلو الانتخابات الجزائرية من التشويق حسبما قالت وسائل الإعلام العربية والخارجية تكمن في أنها ستجعل الناخبين يعكفون عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع الأمر الذي يعنى نجاح أحزاب المعارضة التي دعت إلى مقاطعة الانتخابات من جهة، ويعنى أيضا أنه سيتم التشكيك في شرعية الرئيس بوتفليقة في مرحلة ما بعد الانتخابات بما سيؤثر على تنفيذ البرامج التي وضعها في برنامجه الانتخابي.
وهو الأمر الذي يعنى في التحليل الأخير أنه ستكون هناك فرص لمساجلات سياسية طاحنة بين السلطة والمعارضة في الفترة التي ستعقب الانتخابات، وهذا الأمر سيكون معطوفا على تأثر الاقتصاد الجزائري بالأزمة المالية العالمية، فيما يعنى أن الوضع الجزائري في أعقاب الانتخابات سيكون على أعتاب أزمة سياسية كبيرة يمكن أن تضع الرئيس في موقف صعب يختلف عن وضعه في مرحلة ما قبل هذه الانتخابات.
الذي يعطى لهذا الطرح أهميته هو أن الشارع الجزائري يطمح إلى تكريس الانفتاح السياسي ورفع لحالة الطوارئ وتثبيت الأمن وتطبيق سياسة اجتماعية أكثر عدلاً تساعد الطبقات المتوسطة والفقيرة وتُنهي أزمة سكن وشغل «مستعصية» في بلد يتركز ثلاثة أرباع سكانه في الشمال ويؤمن كثير من شبانه بأن الحل للمشاكل التي يواجهونها يكون في الهجرة. وكل هذه المطالب غائبة عن برامج معظم المرشحين.
و غياب القضايا الكبرى عن الانتخابات الرئاسية الجزائرية، لن يكون عنصرا ايجابيا لصالح الرئيس المرجح فوزه، بل سيفتح الأبواب أمام تكهنات تتعلق بالاستقرار السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات، وهو الأمر الذي يمكن أن يفرض استراتيجيات على حملة الرئيس تتعلق بعضها بضرورة حشد الناخبين للإدلاء بأصواتهم، وقد يلجأ الرئيس إلى إعطاء مساحة واسعة لبعض منافسيه من أجل تسخين الحملة وتأكيد خطأ المعارضة التي رأت أن نتائج الاستحقاق الانتخابي معروفة سلفا.
وهناك تحليلات ترى انه بعد ولايتين رئاسيتين كاملتين يجد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة نفسه وجها لوجه مع الشعب، لان المنافسة هذه المرة ستكون مع الشارع الجزائري الذي جرب الرئيس بوتفليقة لمدة عشر سنوات،سيكون عليه أن يعطى رأيه ليس في أحد المرشحين المتنافسين، وإنما في رئيس جرب حكمه فترة طويلة من الوقت وهو ما يعطى الحملة الانتخابية نكهة مختلفة عن أي حملة انتخابية مشابهة.
والأمر المؤكد هو أن التفاعلات السياسية التي ستشهدها الجزائر في أعقاب الانتخابات ستكون مهمة من الناحية السياسية عن حدث الانتخابات ذاتها، فالجزائر مجتمع يتميز بالحراك والانتخابات بالصورة التي تسير عليها تسير بمنطق استمرار الوضع على ما هو عليه وتجميد الصراع السياسي والاجتماعي، وبالتالي فإننا سنشهد صراع بين الراغبين في الحراك وبين من يسعون إلى التجميد ومحصلة هذا الصراع هي التي ستحدد الهامش الذي يستطيع فيه الرئيس السيطرة على المجتمع.
وإذا ما وضعنا الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعانى منها عوائد الجزائر من النفط والغاز الطبيعي لتوقعنا إمكانية حدوث انفلات في حال لم يتخذ الرئيس سياسات تصالحية تسعى إلى لم الشمل وإنهاء الفجوة التي تفصل السلطة عن القوى السياسية الحقيقية التي أصبحت تقف في جانب في الوقت الذي تقف فيه السلطة وبعض الأحزاب الموالية لها في جانب آخر مختلف تماما بل ومتناقض مع السلطة حول معظم القضايا. فإذا كان نجاح الرئيس يبدو مؤكدا فان المهمة الصعبة ستكون في أعقاب الانتخابات وليس في الفوز بها من عدمه.
كاتب مصري
