يعتبر التعامل مع ملف حقوق الإنسان في الوقت الراهن من متطلبات النظام الدولي الجديد، كما يعتبر مؤشراً على تطور وتحضر الدولة المهتمة، ولا ينقص التعامل بشفافية مع هذا الموضوع من مكانة أي دولة من الدول بل يعطيها مصداقية وثقة أكبر في النظام الدولي.
ودولة الإمارات بما وصلت إليه اليوم من مكانة إقليمية وعالمية متميزة على مختلف الأصعدة وخاصة الاقتصادية والاجتماعية فإنها تتطلب منها هذه المكانة العالمية التعامل مع مفاهيم واتفاقيات النظام الدولي بكل شفافية وخاصة فيما يتعلق باتفاقيات حقوق الإنسان.
لا بد أولاً وأن نقر بحقيقة مهمة لا يجهلها أحد وهي المتمثلة في البيئة المتسامحة والمنفتحة التي تتمتع بها دولة الإمارات حيث تعتبر من أكثر الدول العربية التي تتمتع بوجود بيئة عربية مسلمة عالمية متسامحة مع أبنائها أولاً وثانياً مع كل من يقيم على أرضها الغالية من عرب وأجانب، فدولة الإمارات لا تميز بين أحد وأحد، فالجميع متساو ويتمتع بحياة كريمة هادئة آمنة على أرضها المعطاء التي لا تبخل على أحد أبداً، ولا توجد هناك دولة في عالم اليوم سجلها ناصع وكامل مئة بالمئة فلا بد من النواقص وإن اختلفت نسبتها من دولة لدولة.
واعتقد أن نسبة السلبيات في دولة الإمارات ضئيلة جدا مقارنة بغيرها من الدول القريبة منها على الأقل، فعندما تعقد الإمارات نيتها على البدء في فتح هذا الملف الذي مازال يؤرق الدول والتعامل معه بكل شفافية فهذا لا ينقص أبداً من مكانة الدولة أو من بيئتها المتسامحة بل على العكس تماماً فهذا يرفع من رصيدها السياسي والدولي.
مناسبة هذه الحديث التقرير الذي كشف عنه معالي أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية ورئيس لجنة إعداد التقرير الدوري الشامل الذي يقدم لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فقبل أسبوع اجتمع الوزير برؤساء التحرير وممثلي الصحف كاشفاً عن بعض النقاط والتوصيات الواردة في ملف الإمارات الصادر عن المجلس الدولي لحقوق الإنسان مؤخراً.
اعتقد أن ما أعلن عنه معالي الوزير يعد بمثابة استراتيجية وطنية جديدة في التعامل مع ملف حقوق الإنسان في الإمارات وهو أمر مهم جداً. تدور فحوى هذه الاستراتيجية حول نقاط رئيسية مهمة، أولاً مستوى المصارحة والمكاشفة التي وصلت إليه السلطات الإماراتية في التعامل مع هذا الملف الذي يعتبر في منتهى الحساسية فأن يعلن الوزير التوصيات التي قامت اللجنة الوطنية برفضها، والتوصيات التي قبلت من قبل اللجنة .
بالإضافة إلى التوصيات التي تعتبر قيد دراسة في الوقت الحالي فهذا يعتبر قفزة نوعية كبيرة تحسب للدبلوماسية الداخلية الإماراتية، فالمصارحة مهمة في المجتمع خاصة في مثل هذه الموضوعات التي جبلنا فترة طويلة من الزمن على التعامل معها بكل حرص فحان الوقت لعرض سير العمل والنتائج على الجميع وهذا ما عبر عنه التقرير الذي عرضه معالي الوزير.
النقطة الأخرى والتي تعتبر كذلك قفزة في الاستراتيجية الإماراتية الجديدة في التعامل مع هذا الملف تتمثل في الآلية التي ستنفذ من خلالها التوصيات المقدمة من قبل مجلس حقوق الإنسان.
فالجديد في هذه الآلية إنها اعتمدت على خطة وطنية تقوم على إشراك الوزارات والجهات المعنية كلاً حسب اختصاصه بمتابعة وتنفيذ التوصيات المطلوبة على أن تقدم تقارير دورية عن مراحل الإنجاز للجنة الوطنية كل ستة أشهر، اعتقد أن هذا المحور مهم جداً لأنه يقوم على إشراك الحكومة والمجتمع المدني في تنفيذ التوصيات ومتابعتها فالجميع إذاً شركاء في تحمل مسؤولية هذا الملف، كما ستوفر هذه الآلية قاعدة معلومات موثقة وثرية عن جميع موضوعات حقوق الإنسان في الإمارات.
أما التحول الثالث المهم فهو المتمثل في إعلان معالي الوزير عن احتمالية إنشاء «هيئة مستقلة» تعنى بحقوق الإنسان في الدولة، وكان هذا القرار قد جاء ضمن التوصيات التي طلبتها الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان من الإمارات، أعتقد أن مأسسة هذه القضية وذلك بإنشاء جهة مستقلة تعنى بمتابعة وتنفيذ وتمثيل هذا الملف في الداخل والخارج أمر غاية في الأهمية.
وقد حان الوقت في الدولة بأن تنشئ مثل هذه الهيئة والتي ستكون لها صلاحية الإشراف الوحيدة والتنسيق على جميع الأقسام والمؤسسات والموضوعات التي تعنى بمتابعة ملفات حقوق الإنسان، كما ستكون لها صفة التمثيل في الداخل والخارج كما ستنبع أهميتها بأنها ستكون هيئة حكومية مستقلة.
لقد عانت دولة الإمارات فترة من حساسية التعامل مع هذا الملف، ولكن الخطوات العملية الإيجابية التي بدأت باتخاذها بكيفية التعامل مع هذا الملف تعتبر غاية في الأهمية وغاية في الصواب، لقد حان الوقت بأن يرفع الحرج عن التعامل مع هذا الملف، فدولة الإمارات دولة غنية عن التعريف بما وصلت إليه اليوم.
كما إنها دولة تنطلق من قاعدة عريضة تستمد مبادئها وقيمها وعاداتها وتقاليدها من مصادر إنسانية خالدة متمثلة في مبادئ الدين الإسلامي، وعادات عريقة سامية، وتراث وتاريخ مشرف فلا خوف عليها أبداً عندما تخطو وبكل شجاعة وتتعامل مع ملف حقوق الإنسان بكل شفافية، وخير ما عملته اللجنة الوطنية هو إشراك الحكومة والمجتمع المدني في إدارة هذا الملف، فنتمنى التوفيق للجنة الوطنية لحقوق الإنسان على خطواتها الإيجابية في هذا المجال.
كاتبة اماراتية