سواء كانت ديمقراطية ناقصة أو نصف ديمقراطية، فإن مجلس الأمة الكويتي في جميع تحدياته وأزماته يمثل منذ تأسيسه في بداية الستينات من القرن الماضي (1962) مجلساً حراً للمشاركة الشعبية في تثبيت أركان الدولة والتنمية. من جهة أخرى يعتبر المجلس السلطة التشريعية التي تمثل اليد الأخرى للبلد، بجانب السلطة التنفيذية الممثلة في الحكومة، وإذا شلت هذه اليد شلت اليد الأخرى.
إضافة إلى ذلك، فإن مجلس الأمة الكويتي كان ومازال حديث مجالس دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. فالعديد من دول المنطقة أصبحت تنظر إلى نشاطاته مرة بعين الغيرة ومرة بعين الحيطة والحذر.
وهذا ما حدث وما يحدث في الكويت. فهذا المجلس يبدو أن طالعه سيئاً رغم أهمية وجوده، وتحول إلى نقطة صراع بين نوابه والحكومة، بدلاً من نقطة انطلاق لبناء الدولة وتنفيذ مشاريعها المستقبلية، وشغل الرأي العام الكويتي أكثر ما شغله أي أمر آخر.
يعيش أهالي الكويت منذ أسابيع جواً مشحوناً بالقلق مما قد ينتج عنه الصدام المباشر بين النواب والحكومة. ثلاثة استجوابات في فترة زمنية قياسية موجهة إلى رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، تتنوع بين المحاسبة المالية والمتعلقة بالمصروفات الخاصة بمكتبه والتي تبلغ قيمتها قرابة 60 مليون دولار أميركي.
وعدم اتباع الإجراءات القانونية في الصرف، والاتهام بعدم معاقبة المسؤولين عن تبذير المال العام، وإضاعة هيبة الدولة من خلال تناقض القرارات والتراجع عن المراسيم وجاء آخرها طلب مساءلته عن قرار هدم مسجدين تدعي الحكومة أنهما بنيا دون ترخيص على أراض مملوكة للدولة.
حقيقة، أن طبيعة معظم مواضيع المساءلة بين النواب والحكومة قد لا ترقى في نظرنا إلى تقديم استقالة الحكومة ومن ثم قرار حل البرلمان بشكل غير دستوري، مقارنة بالخلافات التي قد تنشب عادة في برلمانات الأمم الأخرى. غير أن الصراع بين الجانبين في مجلس الأمة الكويتي له طابع خاص. فمجلس الأمة الكويتي المكون من 50 مقعداً إضافة إلى أعضاء الحكومة الستة عشرة، موزع بين ثلاثة أقطاب رئيسية: الإسلاميون والوطنيون والأحرار.
وكل قطب يطمح إلى فرض موقفه على الحكومة التي تأبى نفسها أن تتنازل في كل مرة تكون فيها موضع طلب مساءلة، والتي تعتبر هذه المساءلات لشخص رئيس الوزراء إهانة للعائلة الحاكمة وفي أمانتها، وأن الرضوخ إلى مطالبهم ربما يتطور إلى الرضوخ إلى مطالبات أخرى من شأنها أن تجر البلاد إلى ما لا يحمد عقباها على كافة المستويات. والمعروف أن هناك من يطالب منذ زمن طويل بإعادة النظر في دستور الكويت الذي صدر عام 1962 بعد حصولها على استقلالها من بريطانيا عام 1961.
وبالطبع تكمن النية لدى البعض في الخطوة التالية وهي توسيع دائرة الديمقراطية بحيث يتعدى المواطن الكويتي مرحلة اختيار ممثليه في السلطة التشريعية إلى منحه حقه أيضا في اختيار أعضاء السلطة التنفيذية التي تسير أمور البلاد.
وكما هو معروف فإن هناك مجموعة من الحقائب الوزارية مقصورة على آل الصباح، بدءا من رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع والداخلية والخارجية والنفط والإعلام. وبالطبع هذه الحقائب تعتبر من أهم الحقائب الوزارية التي تتحكم في مصير البلاد في الخارج وفي الداخل. وحيث ان النفس البشرية لا تقنع بما لديها، فإن العين تتجاوزه إلى تلك التي لا تطالها. والسبيل الوحيد هو التشكيك في أمانة من يمسك بيديه زمام الأمور الرئيسة ودفعه حتى يرضخ.
لقد نسي الكويتيون بسرعة شديدة درس الغزو العراقي، وتناسوا أنه دون جهود وسياسة آل الصباح لما عادت الكويت مرة أخرى، وغاب عن بالهم أن الكويت تعتبر من أكثر دول المنطقة ديمقراطية من حيث التمثيل النيابي، وانجروا خلف خلافاتهم على مسائل صغيرة قابلة للحل بالطرق الودية والتي قد تدخلهم في دوامة لا مخرج منها.
وهذا القلق لاحظناه في حديثنا مع الفرد الكويتي العادي الذي أصبح شغله الشاغل وهمه الأكبر البحث عن حل لمشكلاته الخاصة به، من أمن واستقرار ووظيفة مضمونة وسكن ومواجهة ما ترتب وما قد يترتب على الأزمة الاقتصادية العالمية التي تأثرت منها الكويت كغيرها من دول المنطقة والعالم، وإزالة عقدة الخوف من الغزو العالقة في نفوسهم بعد مرور أكثر من ثمانية عشر عاماً على تحرير الكويت بفضل تحالف عسكري مكون من 34 دولة برئاسة الولايات المتحدة الأميركية!
حان الوقت الآن للاستفادة من البرلمان من كلا الجهتين؛ فالكويت ليست ملكاً للحكومة دون الشعب وليست للشعب بتغييب دور الحكومة والأسرة الحاكمة، فهي أولاً وأخيراً للمواطن الكويتي أياً كانت أسرته أو مذهبه أو مكانته المادية.
والكويت في حاجة إلى استثمار مواردها النفطية بأسرع وقت ممكن، قبل أن تبلغ الأزمة الاقتصادية مستوى يتعدى قدرات الفرد نفسه على مواجهتها، أو انخفاض الطلب على النفط وبالتالي انهيار أسعاره التي بلغت صعوداً رقماً جنونياً ثم هبوطاً مفاجئاً غير متوقع، في الوقت الذي تشكل عائدات النفط في الكويت عصب الحياة فيها، فهي ليست دولة صناعية ولا زراعية ولا سياحية ولن تستطيع العيش كما كان في زمن ما قبل النفط، على صيد السمك أو اللؤلؤ.
أما الأمر الأكثر خطورة فهو انعكاس التجربة الكويتية على مستقبل الديمقراطية في المنطقة. فكثيراً من دول المنطقة كانت تستلهم العبرة من تجربة الكويت في هذا المجال. وكانت هناك خطوات حكيمة وغير متسرعة في هذا النهج في دولة الإمارات عام 2006 تمثلا ببرلمانات الدول الأخرى وبالخصوص بتجربة الحياة البرلمانية في دولة الكويت. ولكن أمام ما يحدث على مرمى حجر منا، أصبح التساؤل يفرض نفسه، إن كان نموذج الحياة البرلمانية في الكويت يصلح ليعيد نفسه في مكان قريب آخر.
لنكن واقعيين ونعترف بأن الديمقراطية الكويتية قد لا تتكرر في مكان آخر وبنفس المستوى، فعمرها هناك يزيد على نصف قرن، وخبرة أهلها على الترشيح والانتخاب وثقافة الفرد السياسية والبرلمانية لها دور أساسي وكبير في نجاح العملية الانتخابية، ناهيك عن الدور التمهيدي الذي تلعبه مجالس الديوانيات المنتشرة في الكويت في الحراك الديمقراطي وفي مناقشات المسائل المطروحة على جدول أعمال جلسات مجلس الأمة قبل وبعد انعقاده.
نحن بالفعل نحسد الكويت على مجلسها بل حتى على مجالسها ونحزن على تعدي الخطوط الصفر للديمقراطية الممنوحة عن طيب خاطر لا عن ضغط أو نتيجة ثورة بركانية. ونتمنى ألا تصبح ممارسة الديمقراطية عائقاً أمام التنمية التي إن تعطلت سيدفع ثمنها الفرد الكويتي العادي أينما كان وعلى مر الزمان.
جامعة الإمارات