يروي (روبرت غرين) قصة نجاح غريبة لرجل أميركي عاش في القرن التاسع عشر يدعى (بارنوم). كان بارنوم هذا مساعداً لصاحب سيرك اسمه (هرون تيرنر) توقّف عام 1936 في مدينة (آنا بوليس) بولاية ميريلاند لتقديم مجموعة من العروض. وفي صباح يوم العرض، خرج بارنوم إلى الشارع مرتدياً بدلة سوداء لدعوة الناس إلى السيرك، وفجأة، صرخ رجل في الشارع متهّما إياه بأنه المجرم (آفري) الذي برّأته المحكمة من تهمة قتل، إلا أن معظم الأميركيين كانوا يعتقدون بأنه مذنب.
فتجمع الناس على بارنوم وانهالوا عليه بالضرب والركل حتى مزّقوا بدلته، فهرع إلى السيرك وهم يتبعونه، وحين دخل كان مديره تيرنر في انتظاره ضاحكاً ليقنع الناس بأنها كانت نكتة اخترعها هو بنفسه. بدت ملامح الغضب على بارنوم بعد أن تفرّق الناس بادية على وجهه.
فسأل مديره عن سبب فعلته، فقال له: «إن كل ما يحتاجه سيركنا لكي يشتهر هو السمعة السيئة» وفعلاً انتشرت النكتة بين الناس، وعندما حلّ الظلام، كان السيرك ممتلئاً بالجمهور، وكذلك كان الحال في كل ليلة إلى أن غادر السيرك المدينة. وبعد أن تعلم بارنوم الدرس، أخذ بتطبيقه حتى أصبح شيئاً فشيئاً الرجل الأول للاستعراضات في أميركا.
يسعى كثير من الناس للحصول على الشهرة بأية وسيلة، فالأضواء بالنسبة لهم غاية أساسية في الحياة، وليس المهم كيف يصلون إليها، بل المهم هو أن يبقوا تحتها أطول مدة ممكنة حتى وإن أحرقتهم، والتاريخ مليء بهذه النوعيات من البشر، كالإسكندر الأكبر على سبيل المثال، الذي لم يكن أحد يعرف أسباب توسعه الجنوني في شرق العالم وغربه، بل إنّه لو توقّف عند استيلائه على بابل لكان خيراً له.
ولكن جشعه وطموحه الإمبريالي دفع - حسب بعض الروايات - بطبيبه الذي كان يثق به كثيراً إلى وضع سم في طعامه أصابه بحمى أدت في النهاية إلى وفاته. وقبل موته قال جملته الشهيرة: «إلى الأقوى» وأظن أنها تلخص الأسباب التي من أجلها أراد أن يغزو العالم.
يعتقد كثير من الناس أنه عندما تسلّط الأضواء عليهم فإن السلطة تكون في صفّهم. قد لا تكون سلطة قانونية، ولكنها سلطة الاسم والشهرة، تلك التي تجمع الناس وتفرّقهم. فالشهرة قوّة وإن خلت من السلطة، والناس مولعون بطبيعتهم بالتحلّق حول مصادر القوة، وتراهم ينجذبون كالمغناطيس إلى كل من يعرفه العامة، ومن يحبه المجتمع أو يهابه.
يقول ابن خلدون في هذا السياق: «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شِعارِه وزيّه ونِحلته ووسائل أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه». فلكل مجتمع «أزرار» خاصة، إذا ما ضَغَطَ عليها الشخص المناسب، في الوقت المناسب وفي الموقف المناسب فإنه لابد وأن يُحيل الأضواء إليه.
لا تهم الوسيلة التي يستخدمها المرء للوصول إلى الشهرة إذا لم يطأ بقدميه مصائر البلاد والعباد كما يحصل اليوم في الكويت، ذلك البلد العظيم الذي كان شعلة للعلم والتقدم في المنطقة. أما اليوم، فيحق للكويت أن تدخل موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية كأكثر بلد ديمقراطي يبدّل حكومته، ويحق لنا كمواطنين خليجيين، نتأثر بما يدور من أحداث في أي بلد خليجي، أن نفقد الأمل في التجربة الديمقراطية في المنطقة.
فكلّما تأزّمت الأوضاع بين مجلس الأمة والحكومة الكويتية، تعالت أصوات مناهضي الديمقراطية في المنطقة برفضها جملة وتفصيلاً، لينبري مؤيدوها للدفاع عن (الفكرة الديمقراطية) وليس (التجربة الديمقراطية) كما يقولون، وأعتقد أن التفريق بينهما ليس في مصلحة هؤلاء المؤيدين.
لاشك أن الكويت جادة في الشأن الديمقراطي ومتقدمة على غيرها من الدول العربية في المسيرة الديمقراطية، ولكن أدت التكتلات الأيديولوجية والحزبية غير المعلنة لبعض «ممثلي الشعب» داخل البرلمان إلى استخدام مجلس الأمّة لتمرير «أجندات» خاصة بكل تكتّل بغض النظر عن تناسقه مع العصر الذي يعيش فيه، في تجاهل صارخ لحاجات الوطن ومن يعيش عليه.
لقد استطاع تلاميذ تيرنر وبارنوم أن يبقوا في السلطة الديمقراطية لمدة طويلة، بل إنّهم على وشك أن يورّثوا كراسيهم الديمقراطية أيضاً إلى أبنائهم أو ذويهم ليكملوا مسيرة الضوء عنهم، وأصبحت التجربة الديمقراطية العربية كالسيرك الذي ينجذب إليه الناس عندما تبدأ فقراته المليئة بالشتائم والتجريح.
فلقد تحوّلت معظم نقاشات مجلس الأمّة الكويتي إلى صراعات دموية وتصفية حسابات بين الأفراد، وإذا ما اقترب موعد الانتخابات، قام بعض «مصاصي الديمقراطية» بالادعاء بأنّهم يناقشون قضايا المجتمع، فنجدهم يتحدثون عن مشكلات فردية كتوظيف «فلانة» من غير حق في وزارة ما، أو يقلبون الدنيا رأساً على عقب ويشغلون «الأمة» كلها بسبب كتاب أو رواية .
أين هم من قضايا الأمّة الكبرى؟ وأين هم من التنمية البشرية التي طالما كانت الكويت رائدتها؟ وكيف استطاعوا في سنوات قليلة أن يحيلوا بلداً عظيماً منتجاً مصدراً مداوياً معلّما، إلى قرية صغيرة قديمة، صوتها أكبر من جسدها؟ فهل فشلت الديمقراطية في الكويت بعد أن تحطّمت في لبنان؟ أم فشل الديمقراطيون العرب الذين ينظرون إلى الديمقراطية كفتاة جميلة يمكنهم الاستمتاع معها ولكنهم يرفضون الزواج منها؟