في الخامس من مارس الجاري، أصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير، كانت السابقة الأولى منذ تشكيل المحكمة عام 2002، الأمر الذي يجعل الكثير من الحكام يتحسسون رؤوسهم.

في السابق كانت المحكمة قد أصدرت مذكرات مشابهة للرئيس اليوغسلافي السابق الذي توفي في السجن سلوبودان ميلوسوفيتش، وإلى رئيس تشاد السابق حسين حبري، لكن كليهما كان خارج إطار ممارسة الحكم من موقع الرئاسة، غير أن الأمر مختلف في حالة الرئيس البشير الذي يواصل مسؤولياته على رأس الدولة السودانية.

الأمر برمته يثير جدلاً لا يتوقف بشأن الدوافع والأهداف الحقيقية من وراء قرار المحكمة، وما إذا كان الأمر محض قانوني، أم أن القانون مجرد غطاء وذريعة لتحقيق أهداف سياسية تتصل بتضارب المصالح والاستراتيجيات الدولية التي تتصل بالسودان كمقدمة لاستهداف دولي آخر وزعماء آخرين.

من غير شك فإن الرئيس البشير لم يذهب إلى دارفور ليرتكب بيديه ما نسب إليه من تهم بقتل ما يربو على ثلاثمائة ألف مواطن، وارتكاب عمليات اغتصاب وتعذيب، وما إلى ذلك مما جاء في لائحة الادعاء، فإن صح وقوع ما تشير إليه المحكمة ففي أقصى الأحوال يكون البشير من موقعه مسؤولاً عما ترتكبه أجهزة أمنية أو عسكرية أو ميليشياوية تقع تحت مسؤوليته، وباعتباره صاحب القرار.

إن كان الأمر كذلك، فما ينطبق على الرئيس السوداني ينطبق على العديد من الرؤساء وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي تسبب قراره بالحرب على العراق وأفغانستان بقتل مئات الآلاف، وتشريد مئات آلاف آخرين، فضلاً عن ما ارتكبته قواته من عمليات تعذيب، واغتصاب، وقتل عشوائي، بل وتدمير دول بأكملها. وربما لو ثمة حد أدنى من العدالة والتحقيقات الموضوعية النزيهة، لجرى اكتشاف جرائم أشد فظاعة من مستوى استخدام أسلحة محرمة دولياً لقتل البشر.

ولو أن الدنيا قد خلت من المتهمين بارتكاب جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية ومخالفة القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، لبقيت دولة «إسرائيل» التي يشهد وجودها كله على أنها قامت وما كان لها أن تقوم وتستمر لو لم ترتكب أفظع جرائم الحرب.

لقد تأسست دولة «إسرائيل» على مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وهي مقولة تعكس إرادوية استعمارية مسبقة بتطهير الأرض من سكانها الحقيقيين، لتحل مكانهم جماعات تم استقدامها بوسائل الضغط والإكراه والترغيب، من مجتمعات أخرى ولدوا فيها وعاشوا.

وإذا تجاهلنا ما ارتكبته من مجازر عصابات الأراغون والهاجاناه الصهيونية قبل قيام دولة «إسرائيل» عام 1948، وما جره ذلك على الشعب الفلسطيني من ويلات ماثلة حتى اليوم، ولو أننا تجاهلنا أيضاً ما ارتكبته دولة «إسرائيل» منذ قيامها، من حروب وجرائم ومجازر ضد الشعب الفلسطيني قبل تشكيل محكمة الجنايات الدولية.

باعتبار أن تشكلها جاء ليغطي حاجة عدالة دولية عجزت المؤسسات الدولية الأخرى عن تحقيقها، فإن ما ارتكبته إسرائيل بعد المحكمة وفقط خلال الأسابيع الثلاثة لحربها على قطاع غزة، يكفي لأن يشعر كل من يعمل في إطار المحكمة الدولية بالخجل الشديد ولربما كان عليهم أن يقدموا استقالاتهم.

لم يجر أي تحقيق دولي حتى الآن فيما ارتكبته إسرائيل بحق سكان غزة، وربما لا تتحرك أي من المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية لكي تفعل ذلك، فالاعتراض الأميركي هناك، وربما الأوروبي، وهناك أيضاً جماعات الضغط اليهودية، وأيضاً هناك العجز العربي.

الأمين العام للأمم المتحدة، فاقد الحول والقوة، جاء إلى غزة بعد الحرب، وجاء أيضاً هولمز مساعده للشؤون الإنسانية، وعشرات الوفود الأميركية والأوروبية، بعضها رسمي وأكثرها من المتضامنين، لكن كي مون الذي اطلع على آثار القصف الإسرائيلي لبعض مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، ومقرها الرئيسي في المدينة، ساوى بين هذا وبين ما يشكو منه سكان بلدة «سديروت».

يعلم بالتأكيد كي مون أن سكان «سديروت» لم يفقدوا بسبب الصواريخ الفلسطينية ومنذ امتلاكها والبدء بإطلاقها، أكثر من خمسين فرداً، بينما أوقع القصف الإسرائيلي بتاريخ 6-1 على مدرسة الفاخورة في شمال القطاع اثنين وأربعين مواطناً فلسطينياً وعشرات الجرحى.

في الحرب على قطاع غزة ارتكبت القوات الإسرائيلية عشرات جرائم الحرب ضد المدنيين العزل، وأبادت بعضها بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ، حيث دمرت منازلهم فوق رؤوسهم. فبحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة الذي يعمل بمهنية عالية.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، سقط شهداء من بعض العائلات (ونقصد الأسرة البؤرية وليس الممتدة- الأعداد التالية: عائلة أبو حليمة خمسة بما في ذلك الأب والأم بالإضافة إلى ثلاثة أقرباء، عائلة ديب فقدت يوم 6-1 اثني عشر فرداً، معظمهم في مجزرة مدرسة الفاخورة، عائلة العر فقدت خمسة أفراد يوم 10-1 وقبلها اثنين يوم 7-1، عائلة السيلاوي فقدت خمسة دفعة واحدة يوم 3-1 خلال قصف مسجد المقادمة، عائلة صالحة بقي الأب وأحد الأبناء وفقد في قصف منزله الزوجة وثلاثة أبناء.

عائلة القائد في حماس نزار ريان فقدت يوم 1-1، كل العائلة وعدد أفرادها خمسة عشر بما في ذلك الأب والزوجات، عائلة العالول فقدت ستة شبان بقذيفة واحدة، عائلة السموني فقدت ستة وعشرين من أفرادها دفعة واحدة بقصف المنزل على من فيه، وعائلة الداية فقدت كذلك عشرين من أفرادها دفعة واحدة بقصف منزلهم بحي الزيتون يوم 6/1.

يطول أمر القائمة وتقصر قامة العدالة الدولية عن أن تفعل إزاءها شيئاً، هذا عدا عن استخدام إسرائيل لأسلحة محرمة دولياً، وعدا عن الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة منذ سنوات ويشكل أبشع أنواع العقاب الجماعي.

ويمضي التساؤل الحزين بشأن العدالة الدولية المفتقدة إزاء ما ترتكبه إسرائيل، فماذا فعلت محكمة الجنايات الدولية أو غيرها إزاء رفض إسرائيل الامتثال لقرار محكمة لاهاي الدولية الذي صادقت عليه الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشأن جدار الفصل العنصري؟ وماذا فعلت محكمة الجنايات الدولية أو غيرها بشأن اغتيال الرئيس الفلسطيني المنتخب ياسر عرفات وقبله اغتيال الشيخ أحمد ياسين وأمين عام الجبهة الشعبية أبو علي مصطفى؟

وإذا كانت العدالة الدولية معطلة في فلسطين لأسباب سياسية، فماذا فعلت محكمة الجنايات الدولية أو غيرها بشأن اغتيال بنازير بوتو، ولماذا تتباطأ هنا وتستعجل في ملاحقة ملف اغتيال الشهيد اللبناني رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري؟

تطول قائمة التساؤلات الجارحة، التي تلقي بتهمة التسييس على المحاكم الدولية، التي يبدو أنها تستكمل دور السياسة والحروب، لملاحقة فقط من ترى الدوائر الأميركية ضرورة ملاحقتهم لخدمة مصالحها وسياساتها، وكنا سندافع عنها لو أنها تعمل للدفاع عن حقوق الإنسان.