على الرغم من أن الولايات المتحدة قد برزت، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كقوة تحرير عالمية تدعو إلى النهج الديموقراطي الليبرالي، إلا أن السياسة الخارجية الأميركية، على مدى الستين عاماً التي خلت، منذ انتهاء تلك الحرب، قد تميزت بغير ذلك. فالطابع الأساسي لتلك السياسة هو تحالف الولايات المتحدة مع أنظمة غير ديمقراطية لم تنبثق بإرادة شعوبها. وكان أبرز أهداف تلك التحالفات هو حفظ الاستقرار، وحماية المصالح الأميركية، في هذه المنطقة أو تلك، مقابل توفير الحماية لهذه الأنظمة.

وتميزت تلك السياسة، كذلك، بسلوكيات بعيدة عن أهدافها المعلنة، فقد شهدت تلك الفترة قيام الولايات المتحدة بتدبير سلسلة من الإنقلابات العسكرية في عدد من دول أميركا اللاتينية، ودول الشرق الأوسط، للتخلص من أنظمة لا ترغب في وجودها، والإتيان بأنظمة أخرى حليفة لها، دون مراعاة لما تدعو إليه من قيم ومباديء.

وقد تبين للولايات المتحدة، لاحقاً، بأن الاستقرار الذي سعت إليه، عبر تحالفاتها السابقة، لم يكن في الواقع سوى استقرار زائف، ساعد على نشوء و احتضان حركات أصولية، دينية المنشأ، معادية بشدة للفكر الليبرالي الذي تنادي به، من جهة، وعمل كذلك على تفاقم الأزمات القائمة في هذه المناطق وتعقيدها من جهة أخرى.

فقد أسهمت سياسة الولايات المتحدة، حول الصراع العربي الإسرائيلي، في دفع هذا الصراع إلى المزيد من التعقيد، بسبب عدم التوازن في طروحاتها، وانحيازها كلياً للجانب الإسرائيلي. وتعتبر منطقة الشرق الأوسط مثلاً نموذجياً على التحالفات التي ذكرت، وعلى النتائج التي تمخضت عن سياسات التحالف تلك.

المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط واسعة ومتشعبة، وهي تنطلق من استراتيجيتها كقوة عظمى ترى أن أمنها القومي يمتد ليشمل كل بقاع العالم. إلا أن أبرز المصالح، كما جرت الإشارة إليها، أكثر من مرة، على لسان المسؤولين الأميركيين، تتضمن: تأمين الحصول على مصادر الطاقة، منع دول المنطقة من الحصول على الأسلحة النووية، الدفاع عن حلفائها وأصدقائها، المساهمة في حل النزاعات في المنطقة للمحافظة على استقرارها، تأمين شركاء مضمونين في الحملة على الإرهاب، ويمكن أن نضيف إلى ذلك، العمل على تأمين انحسار نفوذ الدول الأخرى في المنطقة.

وقد وجدت الولايات المتحدة، في أكثر من موقف، بأن السعي لضمان أمنها يتعارض مع مبادئها المعلنة في نشر الحرية والديموقراطية، ومراعاة حقوق الإنسان، والدعوة لتبني فلسفة الاقتصاد الحر، وترسيخ سلطة القانون الدولي. فقد أقامت علاقات تحالف قوية مع نظام برويز مشرف في الباكستان الذي أسقط سلفه المنتخب ديموقراطياً بإنقلاب عسكري.

كما وجدت الولايات المتحدة نفسها، في تناقض صارخ، مع المباديء التي تدعو إليها، وهي لا تبدي استياءً من سلوك رؤساء دول تحولوا إلى ملوك، بسبب رغبتهم في البقاء في السلطة عن طريق إجراء تغييرات جذرية في دساتير بلدانهم لتحقيق ذلك، بخلاف ما هو معمول في الدول الديموقراطية. كما وجدت نفسها، في مناسبات عديدة، تقف ضد حركات، بل وتعمل على اسقاطها، بعد فوزها في انتخابات ديموقراطية شرعية، أشرفت جهات دولية عليها، كما حدث مع حركة حماس.

ومع أن الولايات المتحدة تحرص على تكرار الدعوة إلى الحوار بين الدول، حول القضايا التي تقلق السلم والأمن في العالم، نراها تمعن في الإيغال في سياسات تقود إلى عكس ذلك. فإصرارها على نشر الدرع المضادة للصواريخ، في كل من بولندا وجمهورية التشيك، ليس غير خطوة استفزازية ترى فيها روسيا بأنها موجهة ضدها، مما أعاد السجال البارد بين أكبر قوتين نوويتين في العالم.

وفي الوقت الذي تحرص فيه وزارة الخارجية الأميركية، على نشر تقرير سنوي عن وضع حقوق الإنسان، في مختلف دول العالم، كان آخره التقرير الذي نشر في الخامس والعشرين من فبراير المنصرم، لممارسة الضغوط عليها وإحراجها أمام شعوبها، نراها تتناسى ما قامت به الإدارة الأميركية السابقة من انتهاكات خارج الأراضي الأميركية، سواء في المعتقلات العراقية، أو في معتقل غوانتنامو أو في غيرها في انحاء مختلفة من العالم. كما أن هذه التقارير لا تتطرق إلى ما قامت وتقوم به إسرائيل من انتهاكات في الأراضي الفلسطينية.

الدافع الأول والأخير الذي كان وراء سياسات الإدارات المختلفة في الولايات المتحدة هو المصالح، والمصالح فقط، دون النظر إلى طبيعة الأساليب التي اتبعت لتحقيق ذلك. ولم تكن تلك الإدارات، في يوم ما، غير إدارات ميكافيلية لا ترى ضيراً في استخدام ما في متناولها من وسائل لتحقيق غاياتها. وسياسات كهذه، لا ترشح منتهجيها لقيادة حقيقية لعالم تزداد وتتنوع القضايا والمشاكل فيه.

الدعوة للتغيير، التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال حملته الانتخابية التي قادته إلى البيت الأبيض، قد لا تخرج عن كونها شعارا انتخابيا كبيرا رُفع في الوقت المناسب لمواجهة تركة الإدارة السابقة، التي لم تثقل كاهل دافع الضرائب الأميركي لتسديد كلفة المغامرات التي خاضتها فحسب، وإنما طالت سمعة الولايات المتحدة على المستوى الدولي.

فهل يستطيع الرئيس الجديد إعادة النظر بجميع مواقف وتحالفات وسياسات الولايات المتحدة، في منطقة الشرق الأوسط، التي تتعارض مع المباديء التي ما إنفكت أجهزة الإعلام الأميركي تدعو إليها؟، وهل يتمكن من مقاومة من يقف ضد التغيير؟.

الجواب عن ذلك، يجده الراصد، للوضع السياسي في الشرق الأوسط، في التصريح الذي أدلى به روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي. فقد استبق هذا الوزير مجيء الرئيس أوباما إلى البيت البيض، ليعلن، في المؤتمر الذي عقد في البحرين، حول أمن الخليج، في منتصف ديسمبر المنصرم، بأن «إدارة الرئيس الجديد أوباما، ليس لديها رؤية خاصة حول المنطقة، وستستمر في اتباع خط الرئيس جورج بوش، خاصة فيما يتعلق باحتواء إيران».

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae