هناك قاعدة إنسانية تقول إن «من اعتاد خداع الآخرين لا يستطيع أن يثق في أحد»، وهذه في الحقيقة مشكلة السياسة الخارجية الأميركية التي اعتادت أن تقول شيئا وتضمر شيئا آخر وتفعل أشياء أخرى، ولهذا نجد العالم كله الآن يتهمهم بأنهم السبب الرئيسي في الأزمة العالمية، ونجد حلفاءهم الأوروبيين لا يثقون فيهم ويرفضون التعاون معهم في أفغانستان.

ونجد دولا مثل قيرغيزيا وأوزبكستان تطرد القواعد العسكرية الأميركية من أراضيها بعد أن ثبت لها سوء النية في استخدام هذه القواعد، ونجد كبرى الدول الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ترفض التعاون معهم في مواجهة الأزمة المالية العالمية لأنهم يسعون لحماية مصالحهم الخاصة فقط ولا يهمهم الآخرين، وقد أبدت روسيا في عهد الرئيس بوتين حسن نيتها الواضحة تماماً في التعامل مع الولايات المتحدة، لكن الأميركيين لم يقابلوا حسن النية الروسية بمثلها.

بل على العكس صمموا على الاستمرار في خداعهم لها، وذهبوا يدعمون نظام الرئيس ساكاشفيلي في جورجيا ويحرضوه على التحرش بروسيا، ومازالوا يدعون أن الدرع الصاروخية في شرق أوروبا موجهة ضد تهديدات الصواريخ الإيرانية الموجهة نحو أوروبا، والأوروبيون أنفسهم على يقين تام من أن إيران لا تملك هذه الصواريخ ولا تفكر إطلاقا في العداء معهم.

الولايات المتحدة وحلف الناتو يواجهان أزمة فعلية في أفغانستان، والأوروبيون مصممون على موقفهم ورفضهم لإرسال قواتهم لجنوب أفغانستان للقتال ضد طالبان، والقوات الأميركية والبريطانية في الجنوب تعاني معاناة شديدة من صعوبة وصول الإمدادات، وروسيا هي المنفذ الوحيد الآمن لوصول الإمدادات لهذه القوات.

وقد أبدت موسكو استعدادها لفتح مطاراتها لتوصيل الإمدادات لهذه القوات في جنوب أفغانستان، ورغم أن هذه تعد خدمة كبيرة جدا من روسيا إلا أن الأميركيين لم يقابلوا هذه الخدمة بالشكر والعرفان بالجميل، بل قابلوها بمزيد من سوء النية، فهم اعتادوا على عدم الثقة في الروس.

صحيفة «نيويورك بوست» كتبت في السادس والعشرين من فبراير الماضي تقول «تمكن رئيس الوزراء الروسي بوتين أخيرا من إقناع الحكومة القرغيزية بإغلاق قاعدة أميركية تمثل جسرا جويا لنقل الإمدادات إلى قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان. وطرحت موسكو بديلا من تلك القاعدة هو نقل ما تحتاجه قوات الحلف في أفغانستان عبر روسيا وبلدان آسيا الوسطى التابعة لها.

ومن الواضح، نظرا لخطورة الطريق المار في باكستان، أن بوتين قصد وضع طريق العبور الرئيسي إلى أفغانستان تحت مراقبته، وفي هذه الأثناء يتوهم زعماء ودبلوماسيو وعسكريو أميركا أن بوتين يتعاطف معهم ويطمح بالشراكة الحقيقية معهم. إلا أن الحقيقة أن (الأصدقاء الروس) الذين يلتقيهم قادة الولايات المتحدة يتصرفون حسب توجيهات أجهزة المخابرات الروسية».

وتختم الصحيفة الأميركية حديثها قائلة «لا يجوز، والحالة هذه، أن تقع مسؤولية المحافظة على سلامة القوات الأميركية على عاتق دولة (عدوانية) لاسيما وإن روسيا لا تتمنى الخير لأميركا. ومن الأفضل للجنود الأميركيين أن ينسحبوا من أفغانستان على أن يكونوا تحت رحمة موسكو».

الغريب أن الصحيفة الأميركية تعترف صراحة أن الولايات المتحدة تدعم جورجيا عسكريا ضد جيرانها، حيث تقول الصحيفة «لقد استولى العسكريون الروس على معدات خاصة بــ (مشاة البحرية الأميركية) في جورجيا ورفضوا إعادتها إلى أصحابها في حين لزم الجانب الأميركي الصمت».

هكذا يتعاملون مع روسيا التي أبدت استعدادها لمساعدتهم، إنها بحق مشكلة كبيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، هذه المشكلة التي سبق أن عبر عنها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قائلاً «هناك مجموعات في أميركا نشأت ونمت على كراهية روسيا متشبعة بثقافة الحرب الباردة السابقة، ولا تريد هذه المجموعات أن تصدق أن روسيا الآن لم تعد الاتحاد السوفييتي السابق».

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru