اجتماع وزراء مالية دول مجموعة العشرين في بريطانيا، والذي جاء في إطار الإعداد لاجتماع رؤساء دول مجموعة العشرين في أوائل أبريل المقبل؛ كشف عن عمق الأزمة التي تهدد الاقتصاد العالمي. وعكس أهمية التعاون والتنسيق بين مختلف أطراف المجتمع الدولي من أجل التوصل إلى صيغ اقتصادية جديدة قادرة على معالجة تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.

ويبدو واضحا أننا أمام طريق مختلف عن ما سبق، واذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي هو بمثابة شهادة وفاة لاقتصاد الدولة المخطط والشمولي، وسيادة آليات اقتصاد السوق الحر، والذي يعتمد مبادئ المنافسة بمختلف سماتها ومحاورها، فإن الوضع الراهن هو أيضا إعلان بعجز هذه الآليات عن مواجهة أزمات الرأسمال. وبات من الضروري أن تتدخل الدولة في مسار العمليات الاقتصادية وحركة السوق لضمان التوازن بين مصالح المجتمعات المختلفة، وحركة الاقتصاد التي يجب أن تصب في بناء هذه المجتمعات لا في انهيارها وتدميرها.

ومما لاشك فيه أن المساحة المقترحة لتدخل الدولة في اقتصاد السوق الحر لا تعنى بأي حال من الأحوال تطبيق الاشتراكية، أو منهج اقتصاد الدولة المخطط، وانما تلقى على عاتق الدولة عبء ضبط حركة النشاط الاقتصادي بما لا يؤدي لانهيار النظام الاقتصادي العالمي، أو منع حدوث انهيارات في اقتصاديات الدول تؤثر سلبا على النظام العالمي.

ويبدو أن المقترحات الروسية لمعالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية تأخذ بعين الاعتبار هذا الجانب، حيث دعا الرئيس مدفيديف إلى اعتماد آليات للرقابة الضرورية تقوم على معايير محاسبية واضحة وعادلة ترضي دول العالم كافة. وأكد على ضرورة بناء نظام عادل لتنظيم القطاع المالي الدولي، وتطوير أداء المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين.

إلا ان ما قد يقلق البعض اقتراح الكرملين بأن تكون هناك آليات رقابة مناسبة تتيح لحكومة أية دولة التأثير على قرار حكومة أخرى، وذلك حتى لا تتسبب الأزمات المالية المحلية في تهديد الاقتصاد العالمي باعتبار أن وضع مثل هذه الآليات سيتيح التدخل في شؤون الدول. إلا أن اقتراح موسكو حاول قراءة التجربة المتمثلة في ما سببه تقديم وفرة هائلة من قروض الإسكان في إحدى دول العالم والذي أدى في النهاية إلى ضرب الاقتصاد العالمي.

ولابد من الاعتراف أن شعارات الماضي لم تعد تصلح اليوم، والمجتمع الدولي يقف أمام مفترق طرق، فإما أن تتعاون دول العالم لمعالجة تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، أو تعمل كل دولة على تجاوز الأزمة وفق رؤيتها وإمكاناتها.

ولاشك أن السبيل الأول هو الأفضل والأكثر واقعية، لأن اتباع الأسلوب الثاني سيؤدي بالضرورة لصراعات تناحرية وربما حروب وصدامات عسكرية تسعى الأطراف المتورطة فيها لحل أزماتها على حساب الآخرين.

وهو ما يهدد بانهيار ما يسمى النظام العالمي الجديد، وسقوط مبادئ الاقتصاد الحر الذي سيعتمد – وفق الأسلوب الثاني- القوة لتجاوز أزماته، ما يعني أن قمة العشرين لابد وأن تتخذ قرارا أساسيا حول منهجية العمل خلال الفترة المقبلة، بعبارة أبسط هل ستنهي الجبهات المختلفة حالة المواجهة فيما بينها، ام ستواصل سياسة المجابهة والضغوط لإجبار هذا الطرف أو ذاك على القبول بما تريد.

يبدو أنه سيكون من الصعب على الغرب أن يجمد مساعيه للسيطرة على منابع الطاقة في بحر قزوين ووسط آسيا وإزاحة روسيا من هذه المنطقة، بالرغم من أنه غير مستعد لحل أزمات دول هذه المنطقة.

وهو ما يكشف عنه مشروع لشراكة البلدان الشرقية مع البلدان التي كانت تعتبر تقليديا ضمن منطقة نفوذ روسيا، مساعي الغرب لاستقطاب أوكرانيا ومولدافيا وبيلاروسيا وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا في إطار مجلس شراكة شرقية لا تتضمن دعم الغرب لهذه الدول في حل أزماتها، إلا انها تعني ان موسكو ستواجه طوقا أو حصارا من هذه الدول لحساب الغرب. كيف يمكن اذاً التعاون في إطار مجموعة العشرين لمعالجة أزمات عميقة وعضوية تهدد النظام العالمي، في نفس الوقت الذي تسعى فيه بعض الأطراف لحصار أطراف أخرى وعزلها وتصفية مصالحها؟

وقد تكون الشراكة الشرقية صيغة تعاون مع هذه الدول بدلا من ضمهم لعضوية الأسرة الأوروبية، إلا انها بالتأكيد تشكل عنصر ضغط وحصار على روسيا، بالتالي اذا استمرت السياسة الغربية تتجاهل مصالح روسيا لابد وأن تؤدي لمزيد من الأزمات.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru