قبل أن تفكر في مدرسة مناسبة يلتحق بها طفلك، تسقط في دوامة كبيرة من الحيرة لا تعرف معها هل تلحقه بمدرسة حكومية أم تذهب مع القطيع وتبحث عن مدرسة خاصة بمواصفات مثالية من ناحية المنهج وأسلوب التعليم والهيئة التدريسية والرسوم المناسبة!
ولا تتوقف عن عملية البحث والتقصي لان مستقبل الطفل التعليمي يبقى من المسؤوليات الجسيمة التي لم تكن تشغل بال أولياء الأمور قبل حقبة قريبة من الزمن، فلا المدارس الخاصة كانت قد انتشرت لهذه الدرجة، ولا كان هناك تذمر من الواقع التعليمي الرسمي كما نسمع عنه اليوم من بعض الآباء والأمهات، مما يستلزم إعادة قراءة الواقع التعليمي برمته، حكوميا وخاصا.
والحقيقة المرّة تتلخص في أن النظرة الدونية التي باتت تلاحق المدارس الحكومية، تدفع بكثير من الناس نحو المدارس الخاصة حتى أصبح التعليم الخاص من انجح المشروعات التجارية والبقرة التي تدر ذهبا، وأصبح الرجل يتذمر من الأموال الطائلة التي يدفعها سنويا لتلك المدارس.
ورغم ذلك لا يجد مناصا من ضرورة الاستمرار، الأمر الذي يدعك تعيد التفكير مليا قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع، لكنك شئت أم لم تشأ لا بد لك من الدخول في معمعة التدقيق والحسابات التي تشرّع لك أكثر من بوابة قبل الوقوف على الخيار الأنسب.
وللأمانة لا أعرف هل يعاني أولياء الأمور في العالم الغربي من ذات الحيرة أم أنها مشكلة خاصة بدول العالم الثالث التي لا تزال تستورد المنهج التعليمي الأميركي والبريطاني والاسترالي، مما عمّق شعور النقص تجاه المنهج العربي الذي لا يجد البعض حرجا في وصفه بالتحجر والتخلف، وانه لا يزال يدار بعقلية تلقينية بحتة؟ لعل هذه العبارات هي التي تحبط الآباء والأمهات حين يبدأون في البحث عن مدخلات منهجية مختلفة، تعتمد على الأساليب التعليمية والتربوية المتطورة التي تحتضن الصغير في بيئة تثمن الفروقات الفردية.
وتمنح الطفل مساحة للتعلّم بعيدا عن القوالب الجاهزة من الحفظ والإنشاء، ومع ذلك نجد أن البعض لا تشكل هذه الأحاديث فارقا لديه، لذلك قد تستغرب حين يتوجه بإصرار إلى المنهج العربي رغبة في دمج طفله في بيئة لا تجرده من هويته العربية الإسلامية، لكنها تبقى بيئة ذات مواصفات خاصة .
وليست حكومية، مما يعيد طرح التساؤلات ذاتها لماذا هذا الإمعان في هجرة التعليم الحكومي؟ ما الأسباب التي دفعت بآلاف الأسر المواطنة للبحث عن بديل للتعليم العام؟ أين القصور في التعليم الحكومي أم أن هناك تشجيعا رسميا مبطنا للاتجاه للتعليم الخاص؟
أسئلة محيرة وتحتاج إلى دراسات متعمقة تنطلق من غيرة لاسترداد هيبة التعليم العام، وإعادة الثقة المقطوعة بين المواطن وبين هذا التعليم بخاصة وان العملية تبادلية، فالدولة تضخ الأموال وتتبنى أطروحات جديدة وتحاول أن تحقق فورة تعليمية استحداثية لمتطلبات ومهارات تربوية مختلفة، ولكن في الناحية الأخرى لا نجد أي تغيّر في الواقع، ويبدو أن هذا المشوار لا يزال طويلا أمام وزارة التربية والتعليم لإعادة الوصال.
في العالم المتقدم أصبح التعليم الناجح مرتبطا بمعطيات البيئة المدرسية التي تعي متغيرات رتم العصر، ولا تقف عند المجلدات التي تصيب الطفل بالدوار لمجرد رؤية عدد الصفحات، بل تفتح له الأفق للإبحار في تأليف موضوعاته والاهتمام بالبحث بالأساليب الجديدة، لذلك يعوّل على ربط العملية التدريسية بالمجتمع وتكييف أدواتها بحيث تلائمه وتخدمه، ومن هنا برز مفهوم تقنيات التعليم.
وكما تشير الدراسات أن التقنيات التعليمية ليست هي الأدوات السمعية والبصرية التي تعين في عملية التدريس، بل هي مفهوم يعنى بجوهر العملية التعليمية وما يجب أن تحققه من أهداف سلوكية في إطار متكامل مرتبط بأسس علم النفس التربوي وبمصادر التعليم مع التركيز على ميول المتعلم ودوافعه واتجاهاته.
ويتضح دور تقنيات التعليم في تحديد الأهداف والغايات وتخطيط بيئة التعلم، واختيار أسلوبه، وتقويم فاعلية المنظومة التعليمية ككل، لذا عرفت هذه المجتمعات المعنى الحقيقي لماهية «المدرسة الحديثة» التي تملك أدواتها التربوية والمنهجية والوسائل التي تمكنها من خدمة المتعلم وتحافظ على القيم والمبادئ للمجتمع الذي يعيش فيه في ذات الوقت.
ومؤخرا خرج المشاركون في منتدى التعليم العالمي في بيانهم الختامي إلى تشجيع متخذي القرار في وزارات التربية والتعليم والمناطق التعليمية والمدارس، على توظيف التكنولوجيا في توفير قاعدة بيانات تساعد على اتخاذ القرارات المناسبة التي تخدم العملية التعليمية وتعززها.
وحث وزارات التربية والتعليم على استكمال توفير البنية التحتية من التقنيات الحديثة والأجهزة المختبرية والأدوات والمعدات التعليمية الكافية والمناسبة، وتوفير الدعم الفني المطلوب لها بما يساعد على تحقيق أهداف العملية التعليمية، ووضع أدلة ومعايير تساعد وزارات التربية والتعليم على اختيار التقنيات الحديثة المناسبة التي تتصف بأنها معقولة التكلفة، ومتوافرة.
وذات جودة عالية. والمتمعن في هذه التوصيات يجد أنها مطبقة، بل لقد ذهبنا أبعد من هذه الأحلام، والحقيقة أن البيان الختامي لم يخرج بجديد، ووضع توصياته بناء على افتقار البيئة التعليمية في بعض الدول الفقيرة، وكان من الممكن الاستفادة من المنتدى لتغذية نواحي النقص في التجربة التعليمية في الدولة بصورة خاصة.
إذن أمام واقع التعليم وتعليم الواقع، يشد ولي الأمر قافلته مستمرا في رحلته نحو ما يطمئن النفس ويريح الضمير وبخاصة حين يرى أن صغيره يستحق الأفضل، لان الصغار دائما مميزون لدى آبائهم وأمهاتهم، وينظر من خلالهم إلى صغير أو صغيرة توارت أحلامهما في مدرسة مختلفة لم يمنحها لهم القدر.
كاتبة إماراتية