إلتهم الهاتف النقال حياتنا وسرقنا من لحظاتنا، وصار يكلفنا ميزانية محترمة شهريا مضافة إلى ميزانية البيت والأهل، بل صار شغلنا الشاغل لدرجة أن أصبح من حولنا ليسوا بأهم من الرد على مكالمة عادية، لا تحمل خبرا مهما، بل صار تفاعلنا عبر هذا الجهاز الصغير الذي شل حركتنا، وحولنا إلى أناس ثرثارين ندفع آلاف الدراهم نظير ساعات طويلة من الثرثرة.. وصرنا بدونه نشعر بالوحدة والانقطاع عن العالم.
الهاتف النقال أيضا صار بطلا في حوادث المرور، حيث تعترف إحصاءات الحوادث بأن الهاتف النقال تسبب في وفيات وفي إعاقات وجروح ومآس، لهذا ادخله قانون المرور ضمن المواد التي يعاقب فيها مستخدم الهاتف النقال باليد بحسب المادة 135 من لائحة المخالفات المرورية بالغرامة 200 درهم وأربع نقاط سوداء.
اليوم تبدأ فعاليات أسبوع المرور محمولة على شعار «لا تتصل حتى تصل»، ورجال المرور الذي تتقطع قلوبهم على الضحايا الذين قضوا في حوادث سببها الهاتف النقال يدعونا إلى التقليل من الثرثرة، والاتصال المتكرر أثناء القيادة، ويدعونا إلى استخدامات الوسائل الأكثر أمنا في تعاملنا مع هذا الجهاز.. ولكي تنجح هذه الدعوة في هذا الأسبوع على الأقل، دعونا أن نتفق جميعا أولا على حصر استخدام الهاتف النقال للاتصالات المهمة والضرورية فقط.. دعونا نقهر فرص وقوع الحوادث ومعها نقهر قيمة الفاتورة الشهرية التي تستنزف جيوبنا، دعونا نقود استخدام هذا الجهاز الصغير إلى حيز المعقول، فنحقق بذلك تضاؤل نسبة الخطر علينا وعلى الآخرين، ونربح ما نهدره من مال على ثرثرة تتبخر في الهواء..
كلنا يعرف أن معدل حوادث السير عندنا معدل مقلق، وزيادة الحوادث البشعة وأعداد من قضوا ومن أصيبوا مازالت خارج المنطق والمعقول.. ولن يستطيع رجال المرور وحدهم أن يحدوا من هذا الموت والإصابات المجانية على الطرقات، طالما لم نقرر نحن المتعاملين مع الطريق ذلك.. ان البادرة يجب أن تأتي من أصحاب السيارات، أن نشترك جميعا في هم واحد وان نخاف على بعضنا البعض ونحن نسير وسط موج السيارات والمركبات الثقيلة..
الهاتف النقال ثغرة استغلتها كثير من الشركات التي تبيع الثقافة المسطحة والاستهلاكية، مسابقات، أغاني، رنات، صور، مقاطع فيديو، ومطربك المفضل ومطربتك المفضلة وخلافه من جملة هذه السلع التي هي فخ للمراهقين والمراهقات.. نحن نعتبرها تسلية والشركات تشفط من خلالها الملايين من الدراهم.. نستهلك أوقاتنا، نستهلك أموالنا، نستلب استلابا مرا مع هذه القطعة الصغيرة التي لم نصحوا بعد من اعتقادنا أنها مبتكر مذهل حتى الآن!!
