أريد أن أقص على القارئ قصة شيقة، هي قصة التنمية الاقتصادية العربية وما حدث لها طوال الستين عاما الماضية، أو أكثر قليلا، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945. هي قصة شيقة في نظري، ولكنها أيضاً قصة محزنة.

ومع ذلك فإنها تستحق أن تُروى، إذ إن الإنسان يتعلم (أو المفروض أن يتعلم) من تجاربه، المفرح منها والمحزن، بل ربما دفعته استعادة قصة محزنة إلى العمل على تجنب تكرارها في المستقبل. وإن كان الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من هذه القصة لن يستفيد منه الجيل الحالي، الذي اشترك في صنع القصة، بل الأمل أن يستفيد منه الجيل القادم أو الجيل الذي يليه.

عند انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت الغالبية العظمى من الدول العربية لا تزال تحت الاحتلال، الانجليزي أو الفرنسي، ولكن خلال العشر سنوات التالية (45 ـ 1955) كانت كلها تقريبا قد حصلت على الاستقلال، ومن لم يكن قد حصل منها على الاستقلال في 1955 سرعان ما حصل عليه (كالسودان في 1956 والجزائر في 1961). كان هذا هو ما حدث أيضاً لمعظم الدول التي كانت خاضعة للاستعمار الأوروبي.

فى تلك السنوات العشر ظهرت فكرة جديدة في العالم كله وانتشرت انتشار النار في الهشيم، وهى فكرة «التنمية الاقتصادية»، إن «النمو الاقتصادي» فكرة قديمة بالطبع، تعود إلى عهد آدم سميث على الأقل، ولكن كان المقصود بها النمو الاقتصادي في الدول السبّاقة إلى النمو، أي دول أوروبا والولايات المتحدة، أما الاصطلاح الحديث (التنمية الاقتصادية) فكان يقصد به أساسا التقدم الاقتصادي في الدول حديثة الاستقلال، والتي أطلق عليها حينئذ اسم العالم الثالث «أو الدول المتخلفة».

إني أذكر هذا الوقت جيدا، وأذكر كيف أن الشعار الجديد (التنمية الاقتصادية)، قدّم إلينا كملخص لأهدافنا الاقتصادية (بل والاجتماعية أيضا) وكشعار جدير بأن نرفعه بدلا من شعاراتنا القديمة التي تنادى بالجلاء والاستقلال الوطني.

لم تكن قضية «النهوض الاقتصادي» جديدة تماما علينا، إذ لم يكن من المعقول أن تغيب عن مصلحينا الاجتماعيين والسياسيين خطورة قضية الفقر وضرورة القضاء عليه أو التقليل منه ولكن هؤلاء المصلحين العرب كانوا ينظرون إلى الأهداف الاقتصادية كجزء من قضية أكبر كانوا يعبرون عنها بلفظ «النهضة» أحيانا، أو «الإصلاح» أو «التقدم»، في أحيان أخرى.

كما كانت الأهداف الاقتصادية يعبر عنها لا بلفظ «التنمية»، كما أصبح الحال فيما بعد، بل بشعارات أخرى كانت في مصر مثلا، هي: القضاء على «الفقر والجهل والمرض«.قد يُظن أن الفرق هو فقط في الألفاظ، فالتنمية الاقتصادية قد تنطوي على القضاء على الفقر والجهل والمرض، ولكن الحقيقة أنه كان هناك فارق جوهري.

كنا عندما نتكلم عن مشاكل «الفقر والجهل والمرض» قبل شيوع شعار التنمية الاقتصادية، نعنى بها شريحة (أو شرائح) اجتماعية معينة كانت تتركز أساسا في الريف، وهي التي كانت تعانى من قلة الدخل ومن الأمية ومن سوء التغذية وضعف الصحة. كان المقصود بالنهضة الاقتصادية النهوض بالجزء المغبون من السكان، صحيح أن هذا الجزء المغبون كان يشمل غالبية السكان، ولكن شعار التنمية الاقتصادية كان يقصد به شيء آخر.

ذلك أن التنمية الاقتصادية جرى تعريفها بأنها انخفاض متوسط الدخل في الدولة ككل، أي أن نصيب الفرد الواحد من إجمالي الدخل (أو الناتج) القومي منخفض. وهذا شيء غير معاناة جزء صغير أو كبير من السكان من انخفاض الدخل. فالحقيقة أن تحديد الهدف بأنه رفع متوسط الدخل للدولة ككل كان طريقا معوجا بشكل صارخ، بصرف النظر عن المشكلة الحقيقية وهى فقر (وجهل ومرض) شرائح معينة من السكان هم دون غيرهم المطلوب النهوض بأحوالهم.

وقد اتضح لنا مدى اعوجاج هذا الطريق فيما بعد، عندما تبين لنا ما كان يجب أن نتبينه من البداية، وهو أن من الممكن جدا أن ترفع متوسط الدخل للدولة ككل دون أن تحل مشاكل الفقراء، كما أن من الممكن أن تحل مشاكل الفقراء (بدرجة ملموسة) دون أن يرتفع متوسط الدخل بدرجة ملحوظة. بعبارة أخرى، تبين لنا فيما بعد أنه ليس من الضروري أبدا لكي تحل مشكلة الفقراء أن تزيد ثراء الأثرياء في البداية !

و لكن دعنا لا نستبق الأحداث. لقد قبلنا عن طيب خاطر، طوال الخمسينات والستينات من القرن الماضي أننا دول «متخلفة»، وأن هدفنا الاقتصادي الأساسي يجب أن يكون الارتفاع بمتوسط الدخل، واعتبرنا أن هذا الهدف هو أجدر الأهداف باهتمامنا وجهودنا بعد أن نجحنا في القضاء على مشكلة الاحتلال وحصلنا على الاستقلال.

ومما زاد الطين بلّة أننا عندما تساءلنا عن ذلك المستوى من الدخل الذي يعتبر ما دونه منخفضا، وما زاد عنه مرتفعا، أي عن الحد الفاصل بين الدول المتخلفة والمتقدمة، قيل لنا أن المعيار هو ما إذا كان متوسط الدخل عندنا قد وصل إلى نسبة معينة من متوسط الدخل في الولايات المتحدة في ذلك الوقت. وقد أقترح البعض أن تكون هذه النسبة الربع، وأقترح آخر نسبة العُشر.. الخ وكان معنى هذا أن التخلف والتقدم يتحددان طبقا لحالتك بالمقارنة بحالة الولايات المتحدة.

ولم نتبين في ذلك الوقت أيضاً نحن دارسي التنمية الاقتصادية ما في هذا المعيار من سخافة، إذ يترتب عليه أن تصحو من نومك في أحد الأيام فتجد نفسك متقدما أو متخلفا طبقا لما يمكن أن يكون قد حدث لمتوسط الدخل في الولايات المتحدة، ومع هذا فقد قبلنا هذه الفكرة أيضا، ولم نتبين خطأها إلا بعد مرور وقت طويل. وعلى كل حال فلم تكن هذه وتلك هما الفكرتان الوحيدتان الخاطئتان اللتان قبلناهما دون تمحيص كاف في الخمسينات والستينات ثم تبينّا خطأهما فيما بعد. وللحديث بقية.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu