هل ستصبح مادة (الخوف من الآخر) ضمن المقررات الدراسية الإلزامية في الجامعة والمدرسة؟ ربما يوماً ما عندما يكتشف العلماء أهمية هذا التخصص.
هذا الموضوع أصبح اليوم حديث الساعة، والكل أمسى يتحدث عن الخوف من الآخر. مع أن الفكرة موجودة منذ زمن هابيل وقابيل. ثم تطورت بعد ذلك واتخذت بعداً أوسع عندما كان الحيوان يمثل ذلك الآخر، وكلما تطور عقل البشرية تطور معه شكل الخوف حتى أصبح خوفاً ليس فقط من الإنسان والحيوان بل من النجوم والظلام والسماء والمطر والأعاصير والبحار فتحول الخوف إلى عبادة عندما اخترع الإنسان آلهة لكل فئة منها، أما في عصرنا الحديث فقد تطورت وسائل الحماية من التقلبات الجوية ولم تعد كما كان عند العديد من شعوب الأرض كاليونانيين للمطر إله ولا للبحر إله ولا للأعاصير إله، وعندما جاءت الرسل والأنبياء تحول الخوف إلى خوف من الله الذي يمثل مركز الكون وخالقه وهو الخوف الحقيقي.
في العصر الذي تطورت فيه صناعة الحرب تطور بالطبع الشعور بالخوف من الآخر. وزاد الخوف تعقيدا ـ وربما هي نتيجة من عواقب الشعور بالخوف من الحروب ـ عندما تطور الخوف إلى خوف من ثقافة الآخر. لا أحد يعرف كيف ومتى تم ذلك، ولكن شعور الخوف من الآخر أصبح اليوم في عصره الذهبي وهاجس كافة الشعوب. هذا الخوف من ثقافة الآخر ولد كنتيجة حتمية للغزوات التي حملت طابعاً إما دينياً أو ثقافياً مختلفاً. فالكل يريد أن يفرض دينه أو ثقافته أو جنسه على الآخرين، ولم يحاول أحد منهم أن ينشرها بالحكمة والموعظة الحسنة وإنما باحتلال أراضي الغير، أو استعمارها، أو إبادة أهلها.
وكان السلاح هو السبيل الوحيد لتنفيذ المهمة. وكان الملوك والأباطرة والقادة هم على رأس الجيوش المحاربة ـ كما حدث في زمن هولاكو ـ أو يجعلونها تحت إمرتهم بقرار فردي. وفي أحيان كثيرة كان الملك أو الإمبراطور أو القائد يشغل نفسه بتخويف من هم حوله أو إخافة شعبه للسيطرة عليه، فأخذ الخوف بذلك منحى آخر أكثر تطورا. فهناك خوف من الشعوب ويليه خوف من الملك.
في القرن العشرين بالذات شهد العالم عدداً من الحروب وعدداً من الأحداث عززت وعمقت الخوف في نفوس البشر، وعلى رأسها الحربين العالميتين الأولى والثانية في منتصف القرن العشرين والقنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على اليابان ثم تلتهما مباشرة قضية احتلال فلسطين وتشريد أهلها ثم حروب الاستعمار وبعدها حروب الاستقلال وانتهت بأحداث سبتمبر وما تولد عنها من صورة الانتقام من الآخر المختلف عني دينا ولغة وثقافة واصلا وبالتالي غزو أفغانستان والعراق... إلخ.
أما الحرب العالمية الأولى والثانية فكانتا عبارة عن مزيج من الكراهية وحب السيطرة والتوسع شارك فيها ما يقارب من الـ 70 دولة، وانتهتا على جثث أكثر من 62 مليون ضحية ذهبت أرواحهم أدراج الرياح، أما الناجون منها فقد ظلوا يعيشون هواجس لحظات الخوف التي مرت بهم أثناء الدمار الشامل والإحساس التالي بعدم الأمان من الآخر، وهو إحساس مميت لاحقهم حتى في نومهم إلى أن لفظوا أنفاسهم بشكل طبيعي.
أما الجيل الذي ولد بعد ذلك فقد عانى الخوف من الآخر بشكل مختلف: إما على شكل جندي يغامر بحياته لتحقيق أهداف ومصالح سادته بالسلاح في دول مستعمرة بعيدة عن بلده لا صلة بينه وبينها سوى الاستغلال المادي ولا يعرف مصيره، أو في الجهة المقابلة شعوب مغلوبة على أمرها مستعمرة من قبل شعوب لغاتها مختلفة ولون بشرتها وعيونها مختلفة وعاداتها وثقافاتها وأديانها مختلفة. وفي الواقع فإن الاستعمار خلف من الضحايا أكثر بكثير من ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية. فالجزائر وحدها دفنت مليون شهيد لأجل استقلالها عن الآخر. ناهيك عن الدول الأخرى. فكيف نستطيع اليوم إقناع الجزائريين مثلا بعدم الشعور بالخوف من الآخر الذي لا يفصله عنهم سوى البحر؟
وبعد أن انتشرت الفضائيات ووسائل الاتصال بسرعة البرق زادت حدة الخوف من الآخر. لقد أصبحنا نرى ونشاهد على شاشات التلفزيون على الهواء مباشرة ما يحدث في اللحظة والتو في أفغانستان والعراق وغزة ما يجعلنا نتوجس أن يصيبنا ما أصاب غيرنا ثم يذكرنا بالحملات الصليبية (مابين سنة 1096 إلى 1291 ميلادية) التي وضعت حضارتين عملاقتين وجها لوجه: الحضارة الإسلامية في الشرق والحضارة المسيحية في الغرب، العرب والأوروبيون، أصحاب البشرة السمراء والبشرة البيضاء، العيون السوداء والعيون الزرقاء..
وكانت أرض المعركة فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ وما قبله أيضاً وفلسطين تشكل مسرح الأحداث العظمى. وحيث إن موقعها الجغرافي المميز جعلها نقطة تلاقي وتصادم الحضارات فقد انطلقت منها فكرة الخوف والاحتراز من الآخر لتغطي كل بقاع الأرض دون استثناء، في أميركا كما في غزة.
لكن السؤال الأهم هو: إلى أين وإلى متى سيظل يتسرب في أعماقنا شعور الخوف من الآخر؟ لا أحد يعلم، وكيف يمكننا أن نضع حدا لهذا الشعور؟ أيضا لا نعلم، ما دامت هناك تنوعات ثقافية واختلافات عقائدية وأطماع استعمارية، ولا أحد يعلم كيف يمكن أن يتحول الاختلاف الثقافي لدى الشعوب إلى مصدر خوف؟
كل هذه الأسئلة ربما نجد لها بعض الإجابات الفلسفية والثقافية والأدبية والجغرافية والنفسية والاجتماعية والإعلامية على مدار ثلاثة أيام من نقاشات المؤتمر العالمي الذي تنظمه مشاركة كلا من جامعة السوربون أبوظبي وجامعة الإمارات والذي تدور محاوره حول موضوع رئيس: (الخوف من الآخر) (La Peur de l?Autre ) ـ ابتداء من بعد غد ويشارك فيه نخبة من المفكرين والأدباء العالميين.
إننا في أمس الحاجة إلى فتح آفاق الحوار بين شعوب العالم قاطبة وليس فقط التركيز المتكرر على الحوار العربي ـ الأوروبي، إن كل شعوب العالم تخاف من بعضها البعض، وموضوع الخوف هذا هو المسبب الرئيس في الصدامات المستمرة بين البشر منذ هابيل وقابيل. نحن لا نطمح إلى إلغاء هذا الشعور ولكن محاولة التخفيف منه أو على الأقل تمهيد الطريق للأجيال القادمة لأجل أن تعيش في أمن وسلام.
وعندها لن يموت الملايين من البشر جوعا سواء في افريقيا أو آسيا أو أوروبا أو أميركا. فالحرب تهلك الحرث والزرع وتسرق أموال البشر لاستثمارها في صناعة وتطوير السلاح الذي يقتل ولا يحيي، والذي ينشر الخراب ولا يصلح والذي يميت البشر ولا ينبت الثمر... فالخوف من الآخر هو الخوف من الموت قتلا أو جوعا... فمتى سنحول الحديد من آلات قتل إلى محاريث وأدوات زراعية وصناعية منتجة ذات طابع إنساني؟
بيدنا دائماً القرار... كما بيدنا أيضاً قرار الدمار...
جامعة الإمارات