بالرغم من انطلاق عربة الحوار الفلسطيني كما كان متوقعاً في السادس والعشرين من الشهر الماضي، وبدء أعمال اللجان الخمس في العاشر من الجاري أيضاً كما كان متوقعاً، إلا أن الشكوك ما تزال تحوم في المكان، فالجزء الذي تم إنجازه في جولة الحوار الشامل كان هو الأسهل.
ليس هذا فقط، فالحوار الفلسطيني لا يتم بمعزل عن تأثيرات كثيرة منها الإيجابي ومنها السلبي، هذا بالإضافة إلى التعقيدات التي تتسم بها الملفات قيد النقاش، بعد مرور أكثر من عشرين شهراً على الانقسام، تراكمت خلالها الوقائع عنيدة على الأرض.
ويظل السؤال الكبير مطروحاً: هل ينجح الفلسطينيون في استجماع إرادة ذاتية كافية لتجاوز العقبات، بما في ذلك العقبات الذاتية التي تحول دون استعادة وحدتهم، واستعادة قدرتهم على صياغة خياراتهم أو ما ظل الراحل عرفات يردده لسنوات طويلة، بشأن استقلالية القرار الفلسطيني؟
الفلسطينيون يعقدون اجتماعاتهم وحواراتهم، في ظل وضوح أكبر من أي وقت مضى، اذ لم يعد بالإمكان مواصلة التستر على الأخطاء والخطايا، والتدخلات السلبية، والأمور لم تعد تطرح بطرق غامضة، وعلى استحياء.
السياسات الدولية، الأميركية والأوروبية تشكل عائقاً، من خلال الشروط التي تطرحها على الفلسطينيين، فبعد أن صرح منسق السياسة الأوروبية خافيير سولانا، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي جون كيري، أنهما يقبلان حكومة بمشاركة حماس، عاد الطرفان ليربطا ذلك، بقبول حماس لشروط الرباعية الدولية التي رفضتها، ومن غير المتوقع أن تقبل بها.
وعلى الصعيد العربي، وبالرغم من الجهد المبذول من قبل السعودية والجامعة العربية لتحقيق مصالحات بين أقطاب ما يعرف بالممانعة، وأقطاب ما يعرف بدول محور الاعتدال، كاستحقاق ضروري ليس فقط لإنجاح الحوار الفلسطيني وإنما أيضاً كضرورة لإنجاح القمة العربية التي ستنعقد في الدوحة نهاية هذا الشهر، وبما يجعل العرب أكثر قابلية وقدرة على مجابهة استحقاقات السياسة الدولية بما تنطوي عليه وتمر به من متغيرات، نقول بالرغم من ذلك، إلا أن أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى يواصل إطلاق التصريحات المتشائلة.
وعلى المستوى الإقليمي، بدا عمرو موسى غاضباً، وقد خرج عن دبلوماسيته المعروفة، حين أدان التدخلات الإيرانية السلبية في الشؤون العربية، وطالب إيران بالكف عن ذلك.
كل هذه العقبات ولم نتحدث بعد عن العقبة الإسرائيلية الكبيرة، فلقد دأبت إسرائيل على التدخل بكل الوسائل من أجل تعميق الانقسام الفلسطيني وفصل قطاع غزة، ودفعه نحو مصر، فكيف سيكون الحال مع حكومة جديدة يقودها اليمين واليمين العنصري المتطرف، الذي لا يكف عن إطلاق رسائل التهديد والوعيد لإيران وامتداداتها ومنها حركة حماس في قطاع غزة، كما يدعي الإسرائيليون؟
لا نظن أن هناك من لا يزال يتشكك في أن المصلحة الإسرائيلية تقتضي تنفيذ واستكمال خطة الفصل أحادي الجانب التي تعني فصل قطاع غزة ودفعه نحو مصر، ثم الانتقال إلى الضفة الغربية ودفع قسم منها إلى الأردن، وبذلك لا يعود المجتمع الدولي بحاجة إلى مبادرات سلمية، ولا يعود بالإمكان واقعياً الحديث عن دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967.
نحو مائة شخصية قيادية وربما أكثر من الفصائل وعدد من المستقلين يتواجدون في القاهرة، يتوزعون على اللجان الخمس، لجنة الحكومة، لجنة الأمن، لجنة الانتخابات، لجنة منظمة التحرير الفلسطينية ولجنة المصالحات الوطنية، وعليهم بدون انقطاع أن يواصلوا حواراتهم وأن يمارسوا طقوس الصخب والاحتجاج، والحرد حتى الانسحاب، والهدوء، لعشرة أيام حتى يعود الجميع متفقين إلى جلسة حوار شامل مرة أخرى، لإقرار النتائج والدخول في آليات التنفيذ.هؤلاء جميعاً أمام الامتحان، وأمام المسؤولية الوطنية التاريخية، فإما أن يعودوا إلى شعبهم متفقين، وقد حلوا مشاكلهم، وإما أن عليهم أن يحلوا عن شعبهم.
قد لا ينجح الفلسطينيون، وقد لا ينجح غيرهم لو كان في مكانهم في التوصل إلى حلول وتوافقات جماعية ترضي كافة الأطراف المعنية بالملف الفلسطيني، بل إن من الطبيعي أن لا ننتظر منهم اتفاقاً يرضي كافة الأطراف الفلسطينية المختلفة المتناحرة منها وغير المتناحرة، ولكن هذا هو دين المتحاورين لمعالجة قضايا ملفات صعبة، فالحلول تقتضي المساومة، والمساومة تقتضي الاستعداد لتقديم التنازلات. وبدون أن نتوقع من أحد أن يتنازل، أو أن عليه أن يتنازل عن كامل برنامجه ومواقفه وإلا ألغى وجوده، وفي كل الأحوال على جميع الفرقاء أن يترجموا أقوالهم بشأن أولوية المصلحة الوطنية العامة على المصالح الحزبية والخاصة.
لا مجال لمزيد من المناورات والعناد أو التمترس على المواقف الخاصة، فمهما قيل عن أنه في السياسة لا مجال لفرصة أخيرة، فإن الفرصة المتاحة للحوار الفلسطيني والاتفاق، تكاد تكون فرصة أخيرة، من حيث توفر شروط النجاح رغم وجود عوامل الإفشال، بل من غير المستبعد أن تستبق إسرائيل اتفاقاً فلسطينياً لشن عدوان واسع على غزة أو على الضفة أو على المنطقتين حتى تمنع التوصل لمثل هذا الاتفاق.
قد يتساءل البعض وهل بإمكان اللجان الخمس أن تنجز اتفاقاً لمعالجة ملفات معقدة، وتعالج سنوات من الصراع والانقسام، فقط خلال عشرة أيام أو حتى لو امتد النقاش حتى آخر الشهر الجاري؟
يستمد السؤال مشروعيته من حساب الوقائع، وعوامل النجاح والفشل، ولكن التجربة الفلسطينية الطويلة في هذا الإطار تقول نعم يمكن ذلك، يمكن للجان الخمس أن تتواصل إلى حلول نظرية، حتى لو بقيت للبعض تحفظات هنا أو هناك، فالأسس موجودة وقد جرت عليها حوارات واتفاقات سابقة.
إن وثيقة الوفاق الوطني، واتفاقية القاهرة في مارس عام 2005 بشأن منظمة التحرير، والقانون الأساسي الفلسطيني، وقانون الأجهزة الأمنية، وقانون الخدمة المدنية، كل هذه الوثائق متفق عليها ومقرة وتصلح أساساً للمعالجات العملية الملموسة.
قد يتوقف الجميع أمام البرنامج السياسي للحكومة التي يمكن الاتفاق عليها، وحتى إعلانها مع نهاية هذا الشهر، باعتبارها أسهل القضايا، ولكن أيضاً ثمة تجربة سابقة تتمثل في حكومة ما بعد اتفاق مكة لعام 2006، والتي تم الاتفاق على برنامجها السياسي، أو مرفوض من قبل هذا الطرف أو ذاك.
أخيراً ثمة من يقول ومن وسط الحوار، إن المسافة بين حماس وفتح هي أقصر من المسافة بين كل طرف وأطراف أخرى، فهل تصدق هذه الرؤية، أم أنها بعض إسقاطات الحلم الصغير؟ شعب غزة المنكوب يجلس مرةً تحت الركام ومرةً فوقه ينتظر.
كاتب فلسطيني
