أُسدل الستار قبل أيام على الدورة الأولى لمهرجان دبي الدولي للشعر، الذي جمعت فعالياته شعراء من شتى أقطار العالم، ليقدموا ألواناً مختلفة من الشعر، في أمسيات جمعت شعراء كباراً وصغاراً، عرب وأجانب، فكانت تجربة فريدة لها مزاياها وعيوبها بلا شك.

لست هنا في صدد الحديث عن تجربة المهرجان، وأترك هذا للنقاد والمختصين، إلا إنني توقفت في إحدى الأمسيات الكبرى، التي أضاءها الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن، والتي حضرها مئات من الناس الذين أتوا من كل حدب وصوب ليس لسماع القصائد فقط، ولكن لرؤية البدر على قول أحد الحضور. قال لي أحدهم وعيناه تفيض من الدمع:»لم آتِ للقصائد، ولكنني أتيت لرؤية بدر.. لقد كان حلماً وتحقق». فالقصائد موجودة في الدواوين، والإنترنت بها قصائد مسجّلة بصوته، ولكن الذي أتى بالناس إلى تلك الأمسية كان الإحساس، والذكريات، والحكمة... وأكثر من ذلك.

فلقد استطاع بدر أن يقدم لوناً شعرياً أزعم أنه كان من رواده ـ أتحدث هنا كمحب وقارئ للشعر وليس كناقد متخصص ـ حيث كان يبحث في أشعاره عن الإنسان، وما وراء الإنسان. يكوّنه ويفككه، يفرده على صفحات الدفاتر القديمة وورق البردي الذي يخط عليه الفنان ما يشاء، ثم يعرضه في معرض فنّي ليفسّره كل زائر كيفما يشاء أيضاً. لابد وأنها كانت مهمة صعبة على بدر، ففي أحيانٍ كثيرة كان يتحدث بلغة الحب فقط، فتنساب قصائده على قلوب القراء والمستمعين كالنسيم العليل الذي يأتي بعد حرّ شديد، وفي أحيانٍ أخرى، كانت قصائده أشبه بلوحات رائد الفن التجريدي «سلفادور دالي» التي يصعب فهمها منذ أول وهلة، وغالباً، لا يفهم أعماله إلا المتخصصون في الفن.

في تلك الليلة، استمعت لقصائد قديمة دون أن أشعر بأنني أحفظ معظمها، بل شعرت بأنني أسمعها لأول مرة، أو لآخر مرة. لقد تغنى كبار الفنانين في العالم العربي بقصائد بدر بن عبد المحسن، وخالد الفيصل، وراشد الخضر من الإمارات، وفائق عبد الجليل من الكويت، وغيرهم من الشعراء الذين رحل بعضهم عن الدنيا بأجسادهم وبقوا بكلماتهم، ولقد ساهمت تلك الأغنيات في تخليد أبيات هؤلاء الشعراء في الذاكرة. وما الأغاني والأناشيد إلا وسائل لتعزيز مكانة الأبيات الجميلة، وليست وسيلة لتجميل الأبيات الركيكة.

عندما خرجت من أمسية بدر تساءلت عن عدم وجود بدر جديد على ساحة الشعر الشعبي اليوم؟ لا يعني ذلك عدم وجود شعراء شعبيين جيدين، ولكن لم يعد «معظم» الشعراء الشعبيين يكتبون للإنسان، بل انكفأت الغالبية على جمل معدة مسبقاً، واتفقت على طريقة موحدة في الإلقاء، وكأن هناك معجماً لغوياً واحداً يستخدمه كل هؤلاء «البعض»! لم يعد غالبية الشعر الشعبي في منطقة الخليج يبحث عن الإنسان ومكنوناته، واكتفى «بالإغراق» في المدح والتسفيه بالشعر وابتذاله، أو الوصف المباشر للمشاعر والأحاسيس بطريقة توحي للمتلقي أنه يستمع إلى «سوالف» في أحد المجالس.

عندما نقرأ قصة الفيلسوف سقراط نجده نقل الفكر في أثينا ـ التي كانت حاضرة الدنيا في زمانه ـ من فكر مادي يبحث في ماهية الأشياء من حول الإنسان، إلى فهم الإنسان، وهو ما عرف لاحقاً بفلسفة الأخلاق، التي جعلت من الإنسان المادة الأساسية للبحث والدراسة. فكان توجه سقراط هو معرفة الإنسان التي ستقود بالتالي إلى معرفة كل شيء آخر، ومن هناك انطلق ليبدأ أول حركة تنوير حقيقية ومؤثرة في تاريخ البشرية.

لقد كان شعراء الشعر الشعبي في منطقة الخليج في مرحلة ما أشبه بسقراط، فكانوا يبحثون عن أسرار هذا الإنسان وأدبيات تكوينه، كيف يشعر وبماذا يفكر، وما هي طبيعته العجائبية، ثم يعكسون اكتشافاتهم بطريقة سلسة وبسيطة، كل حسب ثقافته. حتى وصفهم للمرأة كان متجرّداً من المباشرة، فاستعاضوا عن التوضيح بالتلميح، شأنهم في ذلك شأن الشعراء العرب الفطاحل. ولذلك، نستذكر جميعنا أبيات هؤلاء الشعراء ونتغنى بقصائدهم بين الفترة والأخرى، في حين أننا لا نحفظ من أبيات شعراء الشعر الشعبي اليوم إلا ما ندر!

ربما يكون السبب في تسطيح معظم قصائد الشعر الشعبي اليوم هو تسارع وتيرة الحياة في دول الخليج المصحوبة بنمو عمراني ونهوض كبير للبنى التحتية لم يرافقهما نمو إنساني ومعرفي بنفس السرعة، فاضطر غالبية الشعراء الشعبيين الشباب إلى القفز من عالم إلى آخر في سنوات قليلة دون تمكنهم من التزوّد بالموروث الأصيل الذي يساعد الشاعر على الذهاب إلى أبعد مما تراه العين، ليعود إليها بجواهر أدبية جميلة، ودون أن يقفوا عند المحطات الإنسانية للأدب، التي يتزوّدون منها بمفاهيم الكون ونواميسه التي امتاز الشعراء قديماً بسبر أغوارها.

إن «معظم» شعراء الشعر الشعبي اليوم يسعون إلى الشهرة، ولا يعرف غالبيتهم بأن الثقافة والأدب ليس بهما حرق للمراحل، فلابد لكل مرحلة من الاكتمال، ولابد من الأساسات الفكرية والأدبية والذوقية أن تبنى بالطريقة الصحيحة قبل الولوج «فجأة» إلى فضاء الشعر والأدب.

إن الشعر مصنوع للإنسان، وإذا لم يكن من أجله فإنّه لن يكون إليه. ونحن اليوم نتغنّى بقصائد المتقدمين، ولا نعرف من «معظم» المتأخرين إلا أسماءهم أو صورهم التي نراها على شاشات التلفاز وفي الصحف والمجلات، التي تحاول جاهدة أن توجد نجوماً جديدة لا يلبث ضوؤها أن يخبت بعد مدة قصيرة.

الشعر رسالة، وموهبة، وتجربة، والشاعر الحقيقي هو الذي يقضي ردحاً من الزمن في بناء هذه العناصر الثلاثة، لكي يكون شعره نتاجاً لفكره وليس العكس، يقول الشاعر الإماراتي علي بن محين الشامسي:

طِرْق العلا لا تِستِخفْ ابشانها

اعرف قبل تدبيرها مِيشانْها

انظر بعين القلب فيها قبل

ما تنظر بعين الراس في مِشانْها

يا سامعٍ فالشعر بَعْضَهْ حكمة

تِفهم له العِقّال مع فِطّانها

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com