نذكر أنه عند فوز الرئيس الأميركي أوباما بالرئاسة نصحه قادة أوروبا بيرلسكون وساركوزي وأنجيلا ميركل بضرورة تحسين العلاقات مع روسيا، ولدى الأوروبيين أهدافهم ودوافعهم وراء هذه النصيحة، وعلى رأسها وضع منظومة أمنية جديدة لأوروبا تشارك فيها روسيا وترضى بها الولايات المتحدة، وهذا أمر ليس سهلا، وربما لا تقبله واشنطن التي اعتمدت نفسها شرطيا يحمي أوروبا وحده منذ أكثر من نصف قرن مضى.

وتخشى دخول روسيا القوية في منظومة الأمن الأوروبي وسعيها لسحب البساط من تحت أقدام واشنطن، ولكن هذا لا يعني أن واشنطن لن تتقارب وتتحاور وتتعاون مع موسكو، على العكس، فهناك دوافع قوية لدى واشنطن للتقارب مع روسيا، لكنها دوافع بعيدة عن أوروبا والأوروبيين.

التقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مع نظيرها الروسي سيرغي لافروف في جنيف الأسبوع الماضي على مائدة عشاء عمل، وترك هذا اللقاء لديهما شعورا طيبا. وكان هذا اللقاء الخطوة الأولى على طريق التهيئة للقاء الأول بين الرئيسين الروسي دميتري ميدفيديف والأميركي باراك أوباما، الذي من المنتظر أن يجري إبان قمة «مجموعة ال20» في لندن في 2 أبريل.

وإذا جرت دراسة أصداء لقاء جنيف التي زخرت بها وسائل الإعلام الأميركية خلال الأيام الماضية، باهتمام، يبدو جليا أنه تدفع إدارة أوباما لإعادة تشغيل آلية العلاقات الأميركية الروسية من جديد، والسعي لدفن إرث الماضي الثقيل. ورأى البعض في واشنطن أن على أميركا أن تغير سلوكها، وليس روسيا على الإطلاق.

ومن الغريب أن واشنطن تجاهلت في عهد بوش ـ تشيني ـ رايس تقريبا أميركا اللاتينية، وكانت تزعج أوروبا على الدوام، كما كانت الأمور في أفغانستان تتدهور أكثر فأكثر شهريا، ولم تتمخض السياسة المتعلقة بإيران عن أي شيء، وفيما يخص كوريا الشمالية ـ فليس أحسن. وإضافة إلى كل هذا، نشأت الأزمة الاقتصادية.

وسلكت واشنطن إزاء روسيا سلوك العجرفة والتغطرس بشكل غير طبيعي. فالوعود إما لا تنفذ على الإطلاق، وإما كانت تشوه كليا، وتقدم بمثابة تنازلات من الولايات المتحدة. وأما نظاما «الورود» (جورجيا)، و«البرتقالي» (أوكرانيا) العميلان، اللذان أقيما بمشاركة واشنطن المباشرة، فقد أوصلا بلديهما إلى حد الكارثة الاقتصادية تقريبا. ومع ذلك جرت مواصلة دعم واشنطن للنظامين، وكأنه لا يحدث أي شيء.

أما الوضع في أفغانستان فقد وصل بالنسبة للولايات المتحدة إلى الحضيض. وقد أعترف الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما في آخر تصريح أدلى به لصحيفة نيويورك تايمز، بأن الولايات المتحدة تخسر الحرب في أفغانستان.ويعتبر تطبيع العلاقات مع روسيا واحدة من الخطوات العديدة التي بوسعها إصلاح الوضع.

أولا ـ من الممكن نقل الشحنات إلى أفغانستان عبر روسيا. ولا تمر عبر روسيا حاليا إلا الشحنات غير العسكرية. وبوسع موسكو أيضا المساعدة في بدء المفاوضات مع «طالبان»، التي تحدث الخبراء عنها كثيرا، إلا أن إدارة بوش لم تود الإنصات لذلك. ومن أجل بدء المفاوضات مع «طالبان»، من المجدي إجراء اتصالات مباشرة مع إيران التي من الصعب تسوية الوضع في أفغانستان بدونها.

وقد عرضت هيلاري كلينتون على طهران مقترح المشاركة في المؤتمر الإقليمي بشأن أفغانستان، الذي من المفروض أن يعقد في وقت متأخر من هذا الشهر (وهذه خطوة لم يسبق لها مثيل)، وبوسع روسيا تقديم المساعدة هنا أيضا. لذا، فإن إعادة تشغيل آلية العلاقات بين موسكو وواشنطن من جديد، سيكون مفيدا جدا لواشنطن.

ومع ذلك قال الوزير الروسي سيرغي لافروف، وهو دبلوماسي محنك ولديه خبرة أكبر بكثير من نظيرته الأميركية السابقة كوندوليزا رايس والحالية هيلاري كلينتون، في أعقاب اللقاء مع كلينتون بلباقته المعهودة، إن روسيا ترحب بنية الولايات المتحدة إعادة تشغيل آلية العلاقات من جديد، ومع ذلك نود الآن معرفة ما يقصد بذلك الزملاء الأميركان بالتحديد.

سؤال لافروف يعكس حالة عدم الثقة القائمة بين البلدين، والتي يأمل الجميع أن تنتهي مع إدارة أوباما .

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com