جميل أن يتنفس الناس شعرا وأدبا، والأجمل أن يعبر ذلك عن سلوك حياتي متكرر، لا أن يكون حدثا موسميا لا يكاد المرء يدخل في أجوائه حينا من الزمن إلا ويجد نفسه يغادره ليعود مرة أخرى إلى أجواء مختلفة تماما، لا علاقة بينها وبين ما بثته نسمات الشعر والأدب والفن حين مرّت به في حدث استثنائي استطاع أن يجد له مكانا في أجندته المزدحمة بكل ما يمثل عصرنا الحالي تمثيلا حقيقيا، بعيدا عن روحانيات الأدب بشعره ونثره.

مؤخرا، أصبحنا نعيش حالة نشاط وازدهار ثقافي لا يمكن أن نقارنها بما كان عليه الوضع قبل بضعة سنوات مع أنه لم يكن خاملا جدا، لكنه لم يكن بهذا النشاط الذي تكاد تعرفه معظم مدن الدولة الرئيسية، وكثير من مدنها الفرعية وقراها، وحتى بعض مناطقها النائية.

تتنوع الفعاليات ما بين معارض كتب، ومهرجانات أدبية، وأنشطة مسرحية، وملتقيات بعضها للشعر، وبعضها للرواية، وأخرى للقصة. إنها حالة ازدهار ثقافي حقيقي، لا تضاهيها أية حالة سابقة مرت بها الدولة من قبل.

كثرة الفعاليات الثقافية مهمة، خصوصا إذا كانت تعكس نشاطا وحيوية في شريان مهم من شرايين أي مجتمع، لكن أهميتها الحقيقية تتجلى في كونها تمثل السلوك اليومي لأفراد هذا المجتمع الذي تأتيه الثقافة من أطراف العالم وجهاته المختلفة، وتجتمع على مسارحه وميادينه أقطاب الثقافة على مستوى العالم بجهود حثيثة ومتنافسة من عدد من أهم المؤسسات الثقافية الحكومية وغير الحكومية في الدولة.

إن تنوع هذه الفعاليات يصبّ في صالح الجمهور شديد التنوع والاختلاف الذي يعيش على أرض الدولة. كما أن هذه الفعاليات باتت تستقطب جمهورا يأتي من خارج الدولة خصيصا لحضورها. والذي يلفت الأنظار هو أن هذه الفعاليات أصبحت تقدم بعدد من اللغات الحية، كي يجد الناطقون بكل لغة منها غذاء روحهم بلغاتهم الأم على أرض استقروا بها وأصبحوا جزءا منها، والمثير أنها تجد تفاعلا حقيقيا من قِبَلهم.

أما الفعاليات والأمسيات التي تقدم باللغة العربية فبالكاد تجد لها حضورا، والاستثناء الوحيد الذي يمكن ذكره في هذا السياق هو الأمسيات الشعرية الخاصة بالشعر الشعبي. هذا الوضع كنت ألاحظه دائما منذ عدة سنوات، ولا أجده قد تغير كثيرا مؤخرا حتى في ضوء الطفرة الثقافية التي تشهدها مدن الدولة الرئيسية.

إن النسبة غير المتوازنة ما بين حضور المواطنين وحضور غيرهم لهذه الفعاليات، كانت تصب دائما لصالح المقيمين من غير المواطنين، إذ كان معظم الحضور من الوافدين العرب في السابق، بحكم أن الأنشطة والفعاليات كانت تُقام أساسا باللغة العربية، وتُوَجَّه لمتلقين عرب، أما الآن فالاختلاف الوحيد الحاصل هو أن عددا كبيرا من الحضور هم من الأجانب المقيمين على أرض الدولة، ويليهم في العدد الأخوة المقيمون العرب، أما المواطنون فحظهم من الحضور دائما هو الأقل، وذلك برغبتهم هم وليس أمرا خارجا عن إرادتهم.

هذه الملاحظة قديمة ومتكررة، وقد سبق أن تكلمنا عليها غير مرة، والكلام عليها من قبل لا يعني عدم ذكرها، بل يجب ذكرها في كل موقف وسياق، مع تأكيد أن قلة النسبة لا تعني عدم وجود حضور من أبناء البلد المهتمين بالثقافة وبتعزيز هذا الجانب عندهم، بل تعني أن هذا العدد أقل بكثير من العدد المأمول.

وأن نسبة تحقق الفائدة لأبناء البلد لا تصل إلى الدرجة التي ترجوها الجهات المنظمة، التي تبذل جهودا عظيمة جدا في تقريب المسافات بين كبار المبدعين في العالم شرقا وغربا وبين مواطنيها الذين تسعى لأن تربطهم بالعوالم الثقافية من مظانها الرئيسية، حتى تنهض بهم، وتحقق لديهم أفضل النتائج على هذا المستوى كما هم كذلك على مستويات أخرى.

توجد ملاحظة أخرى، في سياق الحديث عن الطفرة الثقافية التي تشهدها الدولة مؤخرا، وتتعلق هذه الملاحظة بازدحام الفعاليات الثقافية في فترات متقاربة من السنة، وهو أمر يثير تساؤلات عدة؛ فنحن في دولة واحدة يوجد فيها عدد من أكبر المؤسسات الثقافية في الوطن العربي، التي تمتلك قدرات هائلة على المستوى الثقافي.

خصوصا في مجال تنظيم الفعاليات الخاصة والمتميزة، ولهذا السبب ـ ربما ـ تتنافس المؤسسات الثقافية الرئيسية في مدن الدولة الكبرى في تنظيم أكثر الفعاليات أهمية وتأثيرا في الحركة الثقافية في المجتمع، وتسعى لاستقطاب أهم الأعلام في الميادين الثقافية المختلفة، وكل هذا يحفز أصحاب الاهتمام ليرتبوا أوضاعهم لحضور أكبر عدد ممكن من هذه الفعاليات والالتقاء بالشخصيات التي يدركون جيدا أن فرصة الالتقاء بهم ثانية قد لا تسنح في وقت قريب، وعليهم استغلال هذه الفرصة الاستثنائية مهما كلفهم ذلك من أمر، ولكن المشكلة التي تقف أمامهم تتمثل في عدم قدرتهم على حضور جميع هذه الفعاليات.

إما لأنها متقاربة في مواعيدها، أو لأنها تتضارب مع بعضها اذ يُقام عدد منها في التوقيت نفسه، فيجد الشخص المهتم نفسه موزعا بين حضور ثلاث فعاليات مثلا، لا يعرف كيف يفاضل بينها، وعليه حتما أن يختار، لأنه في النهاية لن يتمكن إلا من حضور فعالية واحدة، وسيحرم من حضور البقية، وهو أمر لا يشبع رغبة المثقف الحريص والمهتم.

ربما سبق لنا ولغيرنا أن طالبنا بضرورة التنسيق بين الجهات الثقافية ذات الثقل في الدولة، كي تعم الفائدة القاصي والداني، ويتمكن أبناء كل إمارة وكل مدينة من حضور الفعاليات التي تُقام في إمارات أخرى، كي لا يبقى لأصحاب الهمم المتكاسلة عذر في غيابهم عن الأنشطة الثقافية التي تُقام على أرض دولتهم، ولا يحضرونها؛ فالمنافسة مطلوبة.

وهي التي أدت إلى الطفرة التي نعيشها اليوم، لكن الأمر يحتاج إلى قليل من التنسيق، وتبقى المفاضلة في طبيعة الأنشطة التي ستقدمها كل جهة، وقدرتها على استقطاب أكبر عدد من الجمهور، من مختلف مناطق الدولة. وليس المهم أن ننظم نشاطا أو أمسية فقط، بل المهم أن تحدث هذه الأنشطة أثرا حقيقيا في المجتمع، والأكثر أهمية هو أن تبقى الثقافة حاضرة، وأن يبقى الهاجس الثقافي قائما في نفوس الجميع، سواء لدى المسؤولين أو بقية أفراد المجتمع.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com