في تصريح مهم لرئيس الوزراء البريطاني غوردن براون، في السادس والعشرين من يناير المنصرم، أمام جمعية الصحافيين الأجانب في لندن، ذكر بأن الاقتصاد العالمي يمر «بمخاض صعب لنظام عالمي جديد». معرباً عن مخاوفه من الارتداد عن العولمة الاقتصادية، في حال فشل الدول في التعامل مع الأزمة الراهنة بصورة جماعية.

وأضاف، انه لا يجب أن تؤدي الحلول المنفردة للأزمة الاقتصادية الحالية، إلى تعزيز ما أسماه «النزعة الحمائية المالية» التي تمنع، تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال بين الدول.

والحقيقة، إن هذا التصريح، لا يُقرأ بمعزل عن الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وقيامها بوضع خطة لضخ مبلغ يقرب من تريليون دولار، في قطاعات خدمية مختلفة، لإنعاش الاقتصاد المنكمش، وخلق فرص عمل جديدة، والتي حظيت بموافقة الكونغرس الأميركي. فتصريح رئيس الوزراء البريطاني فيه تحفظ ضمني على إجراءات إدارة أوباما.

وتزامن، مع تصريح براون هذا، ما صرح به مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، خلال كلمته في ختام أعمال المنتدى التنافسية الدولي الثالث، داعياً، إلى ضرورة صياغة نظام عالمي مالي جديد، تشترك في إيجاده كافة الدول من الشرق والغرب. كما شهد منتدى دافوس، الذي انعقد مؤخراً، دعوات مماثلة.

تصريح براون، لا ينسجم مع ما هو معروف عن حزب العمال البريطاني من خلال استراتيجياته وأدبياته عبر تأريخه الطويل. فإن فرسان الدعوة إلى الاقتصاد الحر وتخلى الدولة عن النزعة الحمائية المالية، هي أحزاب اليمين، في أوروبا وفي أميركا. وكان أبرز هؤلاء هما حزبا المحافظين البريطاني والجمهوري الأميركي في ثمانينات القرن المنصرم.

إلا أن الولايات المتحدة، في نهاية عهد إدارة بوش وفي بداية عهد إدارة أوباما، لم تجد أمامها، إزاء انهيار الاقتصاد العالمي، سوى، لجم الاندفاع في مضمار فلسفة الاقتصاد الحر، وفرض وجود الدولة في صناعة القرارات الاقتصادية. ولعل من المفارقة حقاً، أن يتحفظ زعيم حزب العمال البريطاني على إجراءات الحماية هذه، بدل اعتبارها إجراءات تنسجم مع أيديولوجية حزبه.

الحقيقة، أن معالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي يمر بها العالم، تدخل في باب معالجة الصدمات الكبيرة، التي تحدث عادة، حين تعجز المنظومات الفاعلة في حياة المجتمع، عن الاستمرار في تناغمها، وعندما يتسارع التطور في بعضها بوتائر تعجز الأخريات عن مجاراتها واللحاق بها. فما حصل في العقود الثلاثة المنصرمة، في ظل العولمة، هو نمو هائل في طموح رأس المال والشركات الموظفة في خدمته، من جهة، وإصرار أميركي على توسيع وتعميق الهيمنة على مقدرات العالم، من جهة أخرى.

ونتيجة لذلك تراجعت المنظومات الأخرى وعجزت عن الانسجام والتكامل، فدبت الفوضى، وتفاقمت تأثيراتها، بسبب انتقال سلطة صناعة القرارات إلى الشركات التي يهيمن عليها هاجس الربح والخسارة وليس اعتبارات أخرى.

وفي معالجة صدمات من هذا النوع، يجري عادة التعامل مع متغيرات عديدة جداً في زمن قصير جداً. وفي ظروف كهذه، فإن تسارع الأحداث، وتسارع ردود الأفعال لها، يخلق أجواء تتعرض الدول فيها لتغييرات، أكثر من اللازم، في زمن أقصر من اللازم، مما قد يؤدي إلى إرباك مؤسساتها، وتعطيل قدراتها في رسم استراتيجيات واتخاذ قرارات صائبة، وربما تكون مقدمة لتعرضها لصدمة أخرى في المستقبل.

وضع حد لنظام القطب الواحد المنفرد في العالم، لا يتحقق بالمطالبة، وإنما يتحقق بالتوازنات الجديدة التي ستفرزها الأزمة المالية الراهنة، التي يصعب التنبؤ بمساراتها حتى على المراكز والمؤسسات التي تمتلك معلومات دقيقة عن حجمها، وتمتلك كوادر متخصصة في الشؤون السياسية والمالية والاقتصادية لدراستها، وتمتلك كذلك لوجستيات التحليل والتنبؤ وفق مختلف النماذج الإحصائية. ولكن، ما يمكن قوله في هذا الصدد، في الوقت الحالي، هو أن نظام القطب العالمي الواحد، قد أصبح من الماضي.

فتدهور الوضع الاقتصادي الأميركي، إلى الدرجة التي تدهور إليها، لم يكن بسبب الائتمانات العقارية، وهو محض عامل داخلي، فهذا سبب، لا يرقى في أهميته، إلى التأثير الخطير الذي أحاق باقتصاد أكبر دولة في العالم.

السبب الرئيسي هو عجز الولايات المتحدة عن الاستمرار في التزاماتها، في الداخل والخارج، كي تبقى القوة الوحيدة الحاسمة في الساحة السياسية في العالم. فقد كان استنزاف الثروات وإنهاك الاتحاد السوفييتي بسبب التزاماته نحو دوله، ونحو أصدقائه، وحرصه على استمرار التوازن العسكري مع الولايات المتحدة، أبرز العوامل التي أدت إلى انهياره. وهي بالضبط، نفس الأسباب، التي ستزيح الولايات المتحدة عن القمة إلى السفح.

النظام العالمي الجديد في طور التبلور، وقد يحتاج إلى بضع سنوات ليستقر على حال ما، ولن تكون معالمه غير انعكاس للتوازنات التي ستنبثق عن الأزمة المالية العالمية.

نظام تتخلى فيه الولايات المتحدة، غير مختارة، عن جزء من صلاحية صناعة القرار في العالم إلى قوى أخرى تشاركها في ذلك. وسيكون للدول الكبرى، ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، كما هو الحال الآن، السلطة العليا لتقرير مستقبل العالم مع ثقل أكبر لكل من روسيا والصين.

إلا أن هنالك قوى أخرى لا تتمتع سياسياً بالثقل الذي تتمتع به اقتصادياً، ألمانيا واليابان والهند والبرازيل في طريقها لأن تكون.

الصراع حول الشرق الأوسط، سيكون المحور الأهم، في بنية النظام العالمي الجديد، بسبب النفط، الذي سيبقى، إلى ما بعد منتصف هذا القرن، المصدر الأهم للطاقة في العالم.

لذلك ستشدد الولايات المتحدة من قبضتها على هذه المنطقة من العالم، ولن تسمح لقوة أخرى بمنافستها على هذا النفوذ أو مشاركتها فيه، وستكون مضطرة إلى إرخاء قبضتها في أماكن أخرى.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae