صار للوزارات الاتحادية متحدثون رسميون، وكل وزارة سيسمى فيها واحد متمرس في التعامل مع وسائل الإعلام ومطاردات الصحافيين، يعني صار للوزارة متحدث رسمي مثل المتحدث الرسمي في البيت الأبيض يسمي (الطحين رز والرز طحين)، يخرج على الإعلاميين في قاعة رخامية باردة ليلقنهم ما يجب أن يكتبوه وينشروه، وليجيب إجابات محددة ومقتضبة عن أسئلة ربما تكون مراوغة، وبهذا سينقلب ابتداء من اليوم سحر الإعلاميين على سحرهم!
فالمتحدث الرسمي في الوزارة سيزيل صداع الشقيقة عن رأسها بالتأكيد، طالما أن الدروب للحقائق ستدخل ابتداء من الآن في أنفاق وأقبية وسراديب مقننة محكمة الرقابة لا ينفذ منها لا الهواء ولا الماء «ووتر بروف» وعلى مستوى عال من التقانة!
سيوفر المتحدث الرسمي غطاء جيداً للوزارة والوزير والمديرين التنفيذيين، وسيكمم أفواه الموظفين ورؤساء أقسامهم ومن هم في الميدان يتعاطون ويتفاعلون مع الناس.
سيفعل المتحدث الرسمي كل هذا، وستبدو الوزارات أنيقة في تعاطيها مع وسائل الإعلام في الغرف المكيفة والرخامية، لكنه في الحقيقة وفي واقع الحال سيطلق رصاصة على حرية الإعلام وحرية تدفق الحقائق من واقعها الحقيقي، فنحن نعرف كيف يتم هندسة الردود باستراتيجيات إعلامية عالية المستوى، ونعرف كيف تدبج التصاريح وكيف تغربل بحيث تذهب إلى المناطق الأكثر رمادية.. والخشية أن يحدث هذا؟
فمع مزايا المتحدث الرسمي ستغلق جميع الدهاليز والممرات والغرف أمام سمع وبصر الإعلامي. بل ستغلق بصيرته بغطاء من البلاستيك، وتحبسه داخل شرنقة لا ينفك منها..
نحن مع هذا، لن نستبق الأحداث ومن المفترض أن نجرب التجربة، طالما هناك مساحة لاختبار المشروع، وسيبقى الإعلام أيضاً قيد الاختبار وهو يتعاطى مع هندسة تقديم المعلومات بهذا الأسلوب.
لن نستبق الأحداث، باعتبار أن الإعلامي أيضاً لديه دهاليزه في البحث عن الحقيقة، والتي هي مراده نهاية المطاف، حتى ولو غلقت الوزارة الأبواب والنوافذ على الحقائق. لكننا فقط نؤشر إلى تجارب مشابهة تعاطى معها الإعلام ولمس أنها ليست إلا قيدا!
لهذا يبدو الأمر مقلقاً، وكيفية التعاطي معه مقلقة أيضاً. وترك قناة واحدة، تشبه البوق، مفتوحة أمام الرأي العام، وحقوق الرأي العام ليست من العدل بشيء!!
