عادة ما كان يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى انتعاش في الأسواق وزيادة الإنتاج والاستهلاك معا، وأيضا انخفاض في الأسعار، ولكن رغم ظروف الأزمة المالية العالمية إلا أن الانخفاض الحاد لأسعار النفط والذي لم تشهده الأسواق من قبل في تاريخها لم يؤد لأي من هذه النتائج.

ولم يساعد على تحسين الأوضاع في ظل الأزمة المتفاقمة والمستمرة نحو الأسوأ، كما أن الغريب في الأمر أن تخفيض الإنتاج الذي أجرته منظمة أوبك، وهو كبير للغاية، لم يؤثر في الأسواق ولم يحرك الأسعار للارتفاع كما كان متوقعا، هذا على الرغم من أن استهلاك الطاقة لم ينخفض بدرجة كبيرة في ظل ظروف الأزمة.

البعض يتصور خطأ أن انخفاض أسعار النفط أمر جيد ومطلوب لتخفيف الأعباء وتكلفة الإنتاج وربما يساعد في تخفيف حدة الأزمة والدفع لمواجهتها وحلها، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما. فقد حذر مدير وكالة الطاقة الدولية نوبو تاناكا من إمكانية أن يواجه العالم أزمة اقتصادية جديدة يسببها انخفاض الإنتاج النفطي بحلول عام 2013.

انخفاض أسعار النفط نتج عنه مشكلة كبيرة لدى الدول المنتجة للنفط، والمشكلة ليست في انخفاض العائدات، بل في توقف الإنفاق على المشاريع النفطية الجديدة التي كانت تسعى هذه الدول لإقامتها، هذه المشاريع تحتاج لنفقات كبيرة لا تتناسب إطلاقا مع الأسعار الحالية للنفط.

حيث شجع ارتفاع الأسعار في العامين الماضيين الدول المنتجة للنفط على الإعداد لمشاريع جديدة وشراء تقنيات حديثة للبحث والتنقيب عن النفط واستخراجه، ولكن كل هذه المشاريع توقفت بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وكان من الممكن لهذه المشاريع لو تمت أن تؤدي لزيادة كبيرة في إنتاج النفط.

وبالتالي لانخفاض في أسعاره ولكن بنسبة معقولة تعادل تكلفة الإنتاج، أما مع الأسعار الحالية فإن تكلفة الإنتاج مع المشاريع الجديدة ستفوق سعر البيع الحالي بأكثر من الضعف، لهذا لم تجد الدول المنتجة للنفط جدوى من الاستمرار في تنفيذ هذه المشاريع وأوقفتها تماما.

ومع الانخفاض الحاد في أسعار النفط في الشهور الماضية قررت الشركات النفطية في دول منظمة أوبك تجميد 35 من المشاريع الـ130 الهامة المتعلقة باستثمار الحقول النفطية الجديدة حتى الآن، كما أوقفت منظمة أوبك العمل على الإستراتيجيات والخطط المستقبلية المتعلقة بتطوير العمليات الإنتاجية وأيضا عمليات البحث وتصنيع التقنيات الحديثة في مجال النفط، هذا بخلاف كافة مشاريع نقل النفط والخطوط الجديدة التي تحتاج لنفقات كبيرة.

توقف هذه المشاريع يعني في المستقبل القريب نقصا حادا في إنتاج النفط لا يتناسب مع الطلب عليه، الأمر الذي يتوقع معه الخبراء ارتفاعا حادا في أسعار النفط بعد أربعة أعوام على الأكثر ربما يصل فيه سعر البرميل إلى 200 دولار، وذلك بعد انفراج الأزمة المالية الحالية والمتوقع لها أن تنفرج بحد أقصى في نهاية عام 2010.

ويقول الخبير الروسي غينادي كراسوفسكي من شركة «لوك أويل» إن الشركات النفطية أوقفت العمل في الكثير من الحقول المكتشفة مؤخرا بعدما انخفضت أسعار النفط إلى 70 دولاراً للبرميل، وهو أمر ينبئ بانخفاض الإنتاج النفطي. وفي معلوماته ان الشركات النفطية العالمية الرئيسية السبع خفضت الإنتاج خلال عام 2008 بنسب تتراوح بين 5% و8% عن العام الماضي.

ويشير خبير روسي آخر هو سيرغي برافوسودوف إلى أن تكلفة الإنتاج في حقول نفطية جديدة تقع في مناطق نائية تفتقر إلى الظروف المواتية للعمل، تفوق أسعار النفط الحالية، وهو أمر يجعل العمل فيها غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية. وعلى ذلك، يكون تحقيق زيادة سريعة في الإنتاج النفطي في حال نمو الاستهلاك أمرا مستحيلا، الأمر الذي سيؤدي إلى تناقص العرض في سوق النفط مع زيادة حدة للطلب سوف تقفز بالأسعار إلى مستوى عال جداً.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru