لا يمكن التعامل مع فوز اليمين بالانتخابات التشريعية فى إسرائيل باعتباره سيؤثر فقط على عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، بل لابد من التعاطي مع هذا الحدث باعتبار أن تأثيراته ستشمل كل المنطقة لأنه سيؤثر على التحالفات الإقليمية بما قد يعيد تشكيلها على أسس جديدة سواء للتكيف معه أو كرد فعل عليه.

فما سيحدث على صعيد علاقات الخارجية هو أنها سوف تنعزل أكثر عن العديد من دول العالم، خاصة وان الأحزاب الأكثر وسطية مثل كاديما والعمل من المرجح أنها لن تشارك فى الحكومة الاسرئيلية القادمة، بما يزيد انعزال هذه الحكومة خارجيا، يزيد من ذلك انه من المتوقع أن تتخذ الحكومة خطوات تتصادم مع رغبة القوى الكبرى فى إحلال السلام في المنطقة بما يزيد من عزلتها. والخطوات التي نقصدها تتعلق بزيادة الاستيطان، وعدم المضي قدما على طريق السلام بين إسرائيل والدول العربية.

ويتفق معظم المحللين المهتمين بشؤون المنطقة على أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل لن تكون في أفضل أحوالها، وهو الأمر الذي سيؤثر بالطبع على تحالفات إسرائيل فى منطقة الشرق الأوسط، بل وسيؤثر أيضا على تحالفات عديدة في المنطقة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن صورة المنطقة فى المرحلة المقبلة بدأت بوادرها تتضح مع الحرب الوحشية التي شنتها إسرائيل على سكان قطاع غزة.

ذلك أن الحكومة الإسرائيلية التي رأسها ايهود اولمرت، كانت تدرك تحول الراى العام الاسرئيلي تجاه اليمين، وهى شنت الحرب من اجل تامين دعم الشعب لها، وعلى الأخص لحزبي كل من وزيرة الخارجية تسيبي لفني ووزير الدفاع ايهود باراك، ولكن الرأي العام اتجه إلى اليمين الحقيقي والذي يدرك انه يكن مشاعر حقيقية ضد العرب والذي يسعى إلى تبنى سياسة يمينية متكاملة العناصر، وانعكس ذلك على نتيجة الانتخابات البرلمانية التي أعطت الأغلبية لليمين المتطرف على حساب يمين الوسط.

ونستطيع القول ان هذا الوضع سيبعد تركيا أكثر عن إسرائيل سواء ظل حزب العدالة والتنمية مسيطرا على الحكومة أم حدث تداول فى السلطة وجاءت حكومة تركية أخرى مختلفة. فعلى مدى تاريخ العلاقات التركية الاسرائيلية كانت العلاقة تتميز بالحرارة في الوقت الذي تسيطر فيه الحكومات المعتدلة على الحكومة في إسرائيل.

وقد برزت بوادر التراجع في العلاقات بين الجانبين على خلفية أحداث غزة، وهذا الأمر يمكن أن يدفع تركيا إلى نسج علاقات امتن مع الدول العربية، خاصة مع كل من مصر والسعودية، بل ويمكن أن يدفع الأخيرتين إلى إنهاء أزماتهما مع دول عربية أخرى هما في حالة خلاف معها، من اجل التصدي لخطر اليمين الاسرائيلى القادم.

وهذا الأمر يعني أن خطر اليمين الاسرائيلي وبعض هذا اليمين عنصر بصورة واضحة، سيؤدى إلى إحداث تماسك فى النظام الاقليمي العربي، وهو تماسك كان مفتقدا منذ الغزو العراقي للكويت فى أغسطس 1990.

فضلا عن ذلك فان الدول العربية من أجل تحقيق هذا التماسك ستسعى إلى إزالة أية خلافات بين حركتي فتح وحماس، ويمكن القول أن الاتفاق الذي تم قبل أيام بين الجانبين هو احد إرهاصات فوز اليمين الاسرائيلى في الانتخابات البرلمانية. والمنتظر فى الوقت الراهن هو تحقيق المزيد من الخطوات على صعيد المصالحة الفلسطينية من اجل التصدي لليمين الذي يحتمل أن يشن حروبا أخرى على الشعب الفلسطيني فى المرحلة المقبلة.

من جهة أخرى فان سيطرة اليمين على السلطتين التنفيذية والتشريعية فى إسرائيل ستحدث تداعيات على صعيد علاقات كل من تركيا والدول العربية بإيران، فإذا كانت معظم دول المنطقة كان لديها تخوفات من مطامع إقليمية إيرانية، فهي في المرحلة المقبلة ستسعى إلى الاقتراب أكثر من إيران من اجل إحداث توازن في المنطقة، كمحاولة للتصدي للتداعيات الإقليمية لسيطرة اليمين الاسرائيلى على الحكم.

وهذا الأمر يعنى أن حالة الحرب الباردة الإقليمية التي كانت الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى شنها في المنطقة بان تؤسس معسكرين متنافرين يتكون الأول من تركيا ودول الاعتدال العربي من جهة وإيران وما يطلق عليه دول الممانعة العربية من جهة ثانية سوف تنتهي لصالح نوع آخر من العلاقة يختلف تماما عن ذلك النمط من الحرب الباردة.

ولكن ما سيحدث هو أن معظم الدول التي كانت مرشحة للاصطفاف فى اى من المعسكرين سوف تسعى إلى التقارب أو البحث عن أرضية مشتركة فى بعض القضايا الإقليمية بما سيؤدى فى المحصلة النهائية إلى عزل إسرائيل التي ستكون تحت حكم اليمين.

وبالطبع فان هذا التحول يأتي ليس فقط كرد فعل على نتائج الانتخابات الإسرائيلية لكنه له علاقة أيضا برحيل الإدارة الجمهورية الأميركية ومجيء أخرى ديمقراطية ذات اولويات مختلفة تماما عن الأخرى. ويمكن القول ان هذا السيناريو كان يمكن أن يختلف تماما فى حال نجاح اليمين الاسرائيلي وبقاء الإدارة الجمهورية الأميركية في الولايات المتحدة.

لان هذا الأمر كان سيؤدى إلى المزيد من التصعيد والتوتر فى المنطقة، لان وجود اليمين الاسرائيلى كان يمكن أن يساعد الإدارة الأميركية الراحلة فى هذا الأمر. أما الوضع في ظل الإدارة الحالية فسيكون مختلفا، فهي ستضغط على اليمين الاسرائيلى بل يمكن أن تسعى إلى حصاره حتى توجد مناخ مناسب لإحداث تسويات إقليمية مستقرة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com