النظام الاقتصادي الروسي الذي تأسس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يصفه البعض، خاصة في الغرب، بأنه نظام اقتصادي حر حل محل النظام الشيوعي الشمولي الذي كانت تملك الدولة فيه جميع وسائل الإنتاج والخدمات، ولكن في الواقع أن هذا النظام ليس رأسماليا بالمفهوم العلمي للأنظمة الاقتصادية الرأسمالية، بل إنه أقرب للشمولية منه للرأسمالية، فقد انتقلت في هذا النظام وسائل الإنتاج من الدولة إلى أيدي حفنة من الأشخاص محدودة العدد، ربما لا يزيد عددها عن الخمسين فرد، اصطلح على تسميتها بالأوليجارخية أو النخبة المالية.

وهذه النخبة التي لم تكن تملك في زمن الاتحاد السوفييتي مجتمعة مليونا واحدا من الدولارات أصبحت في عهد الرئيس الراحل بوريس يلتسين وفي غضون أقل من عشرة أعوام تملك ما يقرب من نصف تريليون دولار، وأصبح أكثر من عشرين فرد منها تتضمنهم قائمة مجلة فوربس الأميركية للمليارديرات، وتعدت ثروة بعضهم أكثر من أربعين مليار دولار.

ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن هؤلاء قد استطاعوا بجهودهم وعملهم تحصيل هذه المليارات في هذه السنوات القليلة، الواقع أنهم تحايلوا على الشعب الروسي واستخدموا أساليب العصابات والمافيا والرشاوى لكبار موظفي الدولة للاستيلاء على الشركات ومؤسسات الإنتاج والمصانع التي كانت تملكها الدولة عن طريق برامج خصخصة مزيفة، وشاركت الحكومة في هذه العملية مقابل رشاوى بالملايين.

جاء نظام الرئيس بوتين عام 2000 ليواجه الفساد الذي خلفه عهد الرئيس يلتسين، لكن بوتين لم يشأ أن يتخلى عن النظام الرأسمالي ويستخدم سلطات الدولة لاسترداد الثروات التي سرقتها هذه النخبة بالقوة، ولو فعل ذلك لتعرض النظام الداخلي في روسيا لفوضى عارمة كانت كفيلة بتحطيم الدولة، خاصة وأن هذه النخبة «الأوليجارخية».

كان لها نفوذها القوي للغاية في أجهزة الأمن، وحتى داخل الجيش، وخشي بوتين أن يتصور البعض أن نظامه سيعيد ملكية الدولة لوسائل الإنتاج ويعيد النظام الشمولي الشيوعي مما يعرض روسيا لحصار خارجي جديد.

حافظ بوتين على النظام الاقتصادي القائم وقرر التعامل مع هذه النخبة بالقانون، ولم يسلب منهم ما استولوا عليه في عهد يلتسين، لكنه طالبهم بحق الدولة من ضرائب ورسوم وغيرها، وقد وافق بعضهم على هذا مرحبا، بينما رفض البعض الآخر، وهرب آخرون بثرواتهم خارج روسيا، واستمر الحال على ما هو عليه ولكن تحت رقابة الدولة.

وتأتي الأزمة المالية العالمية لتكشف فضائح هذه النخبة التي نهبت ثروات روسيا في التسعينات، خاصة وأن جميعهم كان يودع الجزء الأكبر من أمواله في المصارف وصناديق الاستثمار الأوروبية والأميركية لتحقق له عوائد كبيرة وتكون في أمان بعيدا عن رقابة الحكومة الروسية، والآن وبعد انهيار معظم المصارف وصناديق الاستثمار هذه، ضاعت العديد من مليارات هذه النخبة الروسية، لدرجة أن ثلاثة أفراد فقط منهم خسروا أكثر من خمسين مليار دولار في شهر يناير الماضي.

ومع لجوء الشركات والبنوك الخاسرة في الولايات المتحدة وأوروبا لحكومات بلادهم لطلب المساعدة والإنقاذ من الإفلاس تصور بعض المليارديرات الروس من هذه النخبة أنهم مثل هؤلاء فلجئوا للحكومة الروسية في الأيام الماضية لطلب المساعدة لإنقاذهم من الإفلاس، وهو شيء مضحك بالفعل أن يلجأ «اللصوص» للدولة التي سرقوها يطلبون منها المساعدة، ومن هؤلاء الملياردير الروسي «أوليج ديرباسكا» الذي أدرجته مجلة فوربس العام 2007 أحد الخمسة وعشرين الأغنياء في العالم.

والذي تعدت خسائره وحده بسبب الأزمة أكثر من عشرين مليار دولار، وقد رفضت الحكومة الروسية مساعدة ديرباسكا لأن أمواله كانت تستخدم في المضاربات في الأسواق العالمية ولم تستخدم في تنمية الاقتصاد الروسي. هكذا تعاقب الأزمة المالية العالمية من نهبوا ثروات الشعب الروسي وأفلتوا من عقاب القانون.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru