في حياة الطيب صالح، الأديب السوداني الكبير، الذي رحل عن دنيانا منذ أسابيع قليلة، مشكلة عويصة تدور حول حيرة مثقف عربي في التوفيق بين الحياة في الغرب والحياة في بلده العربي الذي نشأ فيه. كما أن هذه هي أيضا المشكلة العويصة لبطل روايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال)، والتي انتهت دون حلّ، كما انتهت حياة الطيب صالح أيضا دون حلّ. ما هي هذه المشكلة بالضبط؟ ولماذا هي صعبة الحل إلى هذه الدرجة؟ بل لعلها تستعصى على الحلّ؟

المشكلة تكمن في التقاء حضارتين أو ثقافتين، لكل منهما مزاياها وعيوبها، مغريات ومنفرّات. وهى مزايا وعيوب، مغريات ومنفرّات، عميقة وليست سطحية، فكلاهما جزء لا يتجزأ من منظومة كلتا الثقافتين. ومن ثم فمن أصعب الأمور اختيار بعض الجوانب وترك الأخرى. هل صحيح أن بإمكاننا أن نختار من الغرب ما يصلح لنا ونترك ما لا يصلح؟

إن استعمال السيارة الخاصة مثلا أو المأكولات الغربية السريعة أو ارتياد السوبر ماركت، أو إدخال المقررات الغربية في التعليم. . الخ، كل هذا يبدو وكأنه لابد أن ينتج في النهاية أشخاصا لهم عقلية الغربيين وميولهم وأهوائهم، مهما تمسك أصحاب الثقافة المستوردة بالجوانب السطحية من ثقافتهم، ومهما أصّروا على أنهم لم يفقدوا هويتهم.

هذه المشكلة العويصة، أي صعوبة اختيار الأحسن في كلتا الثقافتين، هو ما تناوله الطيب صالح في روايته البديعة (موسم الهجرة إلى الشمال). فبطل الرواية (مصطفى سعيد) نشأ في قرية صغيرة في السودان، ولكنه ذكى وطموح ولديه أمل منذ نعومة أظفاره في أن يسافر إلى الشمال، لأنه رأى في بلده من مظاهر الحياة في الشمال ما يغرى بالتقليد.

يسافر إلى الشمال فعلا، وينجح في تحصيل العلم والحصول على وظيفة مرموقة تدر عليه دخلا يسمح له أيضا بالتمتع بما يتيحه الغرب من ملذات الحياة. إنه يصادق انجليزيات جميلات، ويترك واحدة ليستبدل بها أخرى، ولكنه أثناء ذلك لا يريد أن ينسى أهله وقومه، ولا يستطيع أن ينساهم حتى إذا أراد. ومن ثم فهو يستمر في قراءة الشعر العربي القديم ويتمتع به، ويؤثث بيته أثاثا عربيا ويباهى به أمام صديقاته الانجليزيات.

وهو يحاضر في الجامعات الانجليزية ويخطب ضد الاستعمار، ويقول للانجليز أنهم استغلوا قومه وتسببوا في تأخرهم. . . الخ. إنه يحاول إذن الجمع بين مزايا الحياة في الغرب، ومظاهر حياته القديمة وثقافته، ولكنه يفشل فشلا ذريعاً. إن صديقة انجليزية تقول له في نوبة غضب «أنت يا مستر سعيد رجل مزيّف!».

وهو بالفعل كان كذلك، وكان يدرك في قرارة نفسه أنه كذلك. فإذا كان حاقدا حقا على الغرب لهذه الدرجة، فما الذي يفعله بالضبط عندهم؟ وإذا كان علمهم مليئا، كما يقول، بالتحيزات والأهواء والأغراض الخسيسة، فلماذا جاء لينهل منه بل ويقوم بتدريسه؟

وإذا كانت عادات وقيم أهله وقومه هي حقا العادات والقيم الجديرة بالإتباع، كما يزعم في كلامه مع عشيقاته الانجليزيات، وفى محاضراته، فما باله ينغمس إلى هذه الدرجة في ملذات الغرب ويحاول تقليد الانجليز في نمط السلوك، من تدخين الغليون إلى قراءة أشعارهم بل وحفظها عن ظهر قلب؟

إنه على الأقل ذكى لدرجة جعلته يتوقف عن خداع نفسه، فإذا به يحزم أمره ويترك الغرب ويعود إلى قريته في السودان ويقرر أن يعيش كما كان يعيش قومه دائما.

إنه يتزوج من سودانية وينجب منها، وينهمك في أعمال قريته اليومية وينشغل بها، أو هكذا يتظاهر. نعم، إن كل هذا ليس بدوره أكثر من تظاهر. ففي بيته حجرة مغلقة لا يسمح لأحد غيره بدخولها، وهى مليئة ببقايا الحياة الانجليزية التي أحضرها معه: غليون انجليزي، وقصاصات من صحف انجليزية قديمة، وكتب لشعراء انجليز، وصور لصديقاته الانجليزيات القدامى. . الخ.

لا شك إذن أن عودته إلى الجنوب لم تحل المشكلة أيضا. الجمع مستحيل، واختيار أشياء من هنا وأشياء من هناك لا يجلب إلا العذاب.

تنتهي حياة مصطفى سعيد بغرقه في النيل عندما حدث فيضان وانهمك رجال القرية في صدّ المياه عن منازلهم ومزروعاتهم. ولكن من الممكن جدا أن يكون مصطفى سعيد قد انتحر غرقا. فالأفكار التي يصفها الراوي في نهاية القصة توحي بأن من الممكن جدا أن يكون الموت انتحاراً.

على أي حال لقد صوّر الطيب صالح المشكلة تصويرا بديعا، مرة في وصف حياة مصطفى سعيد في انجلترا، ومرة في تصوير حياته بعد عودته إلى السودان. ولكن كل من عرف الطيب صالح عن قرب يعرف أنه مرّ في حياته هو بمشكلة قريبة جدا من مشكلة مصطفى سعيد. فقد عاش الطيب صالح معظم سنوات حياته في لندن، ومات بها، ولكنه كان يعود من حين لآخر إلى السودان (عبر فترات متباعدة بسبب الوضع السياسي فيها)، والى القاهرة، التي كان يعشقها وله فيها أصدقاء حميمون يبادلونه حبا بحب ويُشعرونه بالدفء الذي يفتقده في انجلترا.

كما أنه عمل عدة سنوات في قطر، وما أكثر ما حضره من مؤتمرات وندوات ثقافية في المغرب والمملكة السعودية. . الخ. ولكنه كان دائما يعود إلى لندن حيث تعيش زوجته الانجليزية وبناته الثلاث.

قابلت الطيب صالح في لندن كما قابلته عدة مرات في القاهرة. وكان يرتدى في لندن الزى الأوروبي، ولكنى رأيته في القاهرة يرتدى أكثر من مرة الزى السوداني الجميل: الجلباب الأبيض الناصع والعمامة الشبيهة بالتاج. لم أسمعه يفسّر هذا الاستبدال لزيّ بآخر، ولكنى لست في حاجة إلى أن أسمعه منه.

إذ لابد أن الرجل كان دائم التساؤل بينه وبين نفسه عما يضطره إلى ارتداء الزي الأوروبي إذا كان يشعر براحة أكبر في الزي السوداني، فضلا عن أنه يراه أجمل؟

هذا الرجل العظيم عاش في حيرة من أمره، ومات في حيرة من أمره، ولم يزعم قط أنه وصل إلى حلّ لتلك المشكلة الكبرى: مشكلة التقاء حضارتين أو ثقافتين. إذ كيف يمكن أن يزعم هذا الزعم؟ ولكن المؤكد أنه قدم لنا وصفا للمشكلة يمسّ شغاف القلب، وقدم تشخيصا صحيحا لها، وسيبقى هذا الوصف وهذا التشخيص مصدرين للمتعة وللتفكير لعشرات من السنين.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu