بحسب القانون الألماني، فإن التمجيد أو النكران العلني لما يدعي بالمحرقة النازية، أو التشكيك في أنها أودت بحياة نحو 6 ملايين يهودي، جريمة عقابها السجن لفترة تصل إلى خمس سنوات.
وبفضل جهود يهودية صهيونية محفوفة بتعاطف قطاعات غربية متحيزة للرواية الصهيونية للتاريخ اليهودي، انتقلت فكرة التجريم الألمانية هذه إلى الرحاب الأوروبية والأميركية..
وقد تمكن أصحاب هذه الجهود ومحاسيبهم في الأروقة السياسية الدولية من عولمة فكرتهم، بحيث تبنت الأمم المتحدة يوماً لإحياء ذكرى المحرقة، باعتبارها حدثاً تاريخياً لا يجب أن يغيب من الضمير الإنساني برمته!.
تطبيقاً لهذا التصور، تعرض المطران الألماني ريتشارد ويليامسون في فبراير الماضي لحملة تشهير وإدانة انتهت إلى فتح تحقيق ضده بتهمة إثارة «الكراهية العرقية»..حدث ذلك لمجرد أن المطران أنكر أمام صحافيين سويديين أن يكون النازيون قد استعملوا غرف غاز لقتل اليهود في معسكرات الاعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية.
وقال انه لا يؤمن بأن غرف الغاز كانت موجودة أصلاً، مؤكداً أن الدلائل التاريخية تنفي بقوة وضع 6ملايين يهودي في مثل هذه الغرف كسياسة مقصودة اعتمدها أدولف هتلر ورهطه.
الأوساط الصهيونية لم تكتف بملاحقة المطران قضائياً وإعلامياً، بل وذهبت إلى مطالبة مسؤولة الأعلى بابا الفاتيكان نفسه بالتبرؤ مما ذكره مرؤوسه والتشديد علي حصول المحرقة. وعلي الرغم من أن البابا بيندكتوس السادس عشر من المتحمسين تقليدياً لصدقية رواية المحرقة إلا انه لم يجد حرجاً في تلبية هذا المطلب، لاسيما بعد انضمام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى جوقة الساخطين علي المطران.
نسوق هذه الواقعة، وهي غيض من فيض، لنبسط دليلاً مضافاً علي عوار المعالجات وازدواجية المعايير التي يقارب بها أكثر الخلق ادعاء بالرهافة والحساسية لقضايا الديمقراطية وحرية الرأي والمعتقد والتعبير.
فقد صادف أن تزامنت قضية المطران وتوابعها مع تعرض القناة العاشرة في التليفزيون الرسمي الإسرائيلي لسيرة السيد المسيح وأمه البتول (عليهما السلام ) بفاحش القول والإشارة والغمز واللمز. ومن المعلوم أن هذا التسافل والقبح بحق مقام المسيح وأمه سبقه ولحقه مسلسل تعز حلقاته عن الحصر من الإساءة إلى النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، اضطلع به نكرات ممن يسعون إلى الشهرة والذيوع وبخاصة في دول شمال أوروبا.
ومع ما تعنيه هذه الوقائع الأخيرة من ازدراء للأديان يمس مشاعر ومعتقدات وقناعات زهاء نصف سكان المعمورة، فإن الغيورين على رواية المحرقة وملاحقة المطران الألماني لم يحركوا ساكناً، ولا سمعنا تعليقاً منصفاً للمستشارة الألمانية، التي سكنت وسواها من كبار الساسة والزعماء الديمقراطيين جداً عن الكلام المباح.
علي صعيد مواز ومتزامن لهذا التعاطي الخبيث مع قضايا الرأي والتعبير، قررت كل من إسرائيل وكندا والولايات المتحدة مقاطعة الدورة الثانية لمؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية، المزمع عقده في أبريل المقبل.. لماذا؟، لأن هذه الدول المصنفة ضمن القوي الراعية للحريات الأساسية لا تريد للمؤتمرين أن يتعرضوا بكلمة لإسرائيل وممارساتها ولا لقضية ازدراء الأديان ويرون المؤتمر مناسبة معادية للسامية.
نحن إزاء مشهد ساخر بامتياز. مشهد يستخف فيه البعض بالقوانين وكذا بالعقول والأفئدة.. ذلك لأنهم يصرون علي استبعاد حرية التفكير بل وحرية البحث العلمي، من دائرة معالجة حدث إنساني تاريخي قريب العهد، مازال بعض شهوده ورواته أحياء يرزقون يسمي المحرقة، فيما هم من جهة أخري لا يرون عيباً، أخلاقياً وقيمياً وروحياً، وقانونياً بالطبع، في إخضاع سيرة الأنبياء للفحص والتحري.. ازدراء الأديان والمقدسات عند هؤلاء قضية لا تستحق الاعتبار والنظر، وتنتمي إلى حرية التفكير والرأي بالكلمة والصورة وإطلاق الخيال حتى بالنسبة للأفاقين، فيما ترقى سيرة المحرقة إلى مراتب القداسة ويجرى تحريمها وتجريم المدققين فيها بسوط القانون والإيذاء المادي والمعنوي.
في إطار هذه المقاربة المستفزة يستمرئ بعض دعاة الديمقراطية والحرية، مقاطعة مؤتمر عالمي، لأنه قد يتناول سلوك دولة تسمي إسرائيل بالاستقصاء والنقد وفقاً للمعايير الفكرية والايديولوجية والحقوقية التي عرّفوها بأنفسهم، بينما لم يستنكفوا عن ابتداع يوم لذكري حدث تاريخي له سوابق ولواحق مشابهة كثيرة، مكرهين العالم بأسره على السعي خلفهم عبر مساق الأمم المتحدة!.
يذهب نفر ممن ينصبون أنفسهم حكماء ومنظرين للديمقراطية في الرحاب العربية إلى ضرورة عدم الخوض عربياً، أو حتى إسلامياً، في لجة الجدل حول صدقية دعوى الهولوكوست من عدمها، بزعم أنه «لا ناقة للعرب فيها ولا بعير.. فهي مسألة تحضي أوروبا وربما الغرب ولا مصلحة لنا في إنكارها أو تصديقها..».
وبذلك يسهم هؤلاء الناصحون في منع حديث المحرقة من التداول العقلاني الرشيد. وفي تقديرنا أن هذا الموقف السلبي لا يتسق وحقيقة أن الشعوب العربية والإسلامية أضحت مسوقة سوقاً إلى السجال حول هذا الحديث، بحكم انتمائها إلى عضوية المنظمة الدولية التي صارت طرفاً معنياً بالأمر بالحق أو بالباطل.
وعما قريب، حين يلتئم ديربان الثاني، سيتجلى تماماً تهافت منطق الحياد السلبي تجاه حديث المحرقة بافتراض أن المؤتمر لن يمرر بسهولة ولا بصعوبة حديث ازدراء الأديان.. ولن يفتقر إلى شجعان يجرون المقارنات ويثيرون الازدواجية الفجة في التعامل مع حديثين يتصلان جدلاً بأصل واحد هو مدي حرية التفكير والرأي والتعبير.
بمناسبة الشجاعة والجبن، تجدر الإشارة إلى أن المطران ويليامسون أعتذر لبابا الفاتيكان عن الهوجة التي أثارتها تصريحاته، لكنه لم يتراجع عنهما رغم أنه يقيم في عش الدبابير.
كاتب وأكاديمي فلسطيني