نحن من يخلق ومن يثير مشاكل البشر وينشر سلوك الإرهاب ويباعد بين الأمم. لا أقصد ب(نحن) العرب، ولكننا (نحن البشر).

إننا نعاني (وهنا بالذات أقصد نحن العرب) منذ عصور الاستعمار بعقدة النقص لا عقدة الذنب.

وشعور بالمذلة وليس بالعدالة. وشعور بالظلم وليس بالعدل. ولو تصفحنا تاريخنا منذ استقلال الدول العربية وانضمامها إلى الأمم المتحدة وإلى جامعة الدول العربية لوجدنا أننا لم نتمتع في أي وقت كان بأي نوع من العدالة.

تم استعمارنا على مدى عقود طويلة وتم تجنيد أبناؤنا في حروب الغرب التي لم يكن لنا فيها لا ناقة ولا جمل، ضد أعدائهم (كما حصل بشكل واضح ومخز مع شعب الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي) ونتج عن ذلك أننا أصبحنا ندفع ضريبة تأخرنا العلمي والفكري والصناعي إلى يومنا هذا.

ولم يتم تعويضنا حتى بفلس واحد، بينما استطاع اليهود أن يحصلوا على تعويضات تفوق الخيال لما أدعوا أنه أصابهم في الحرب العالمية الثانية، بل وتم تطييب خاطرهم بأن اقتطعت أرض فلسطين من قلب الأمة العربية لتمنح لليهود على طبق من ذهب. فأين العدالة في ذلك؟

اغتصبت فلسطين اغتصابا فاضحا، أمام مرأى العالم الذي ظل يتفرج، ولم يقف مع العرب أي من الدول العظمى ليدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني التي منحت له بعد الاقتسام. وحتى الأراضي التي أقرتها الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني تمت مصادرتها بشكل نظامي من قبل إسرائيل، ولم يحرك أحد ساكنا.

وكان العالم يتفرج على الشعب الفلسطيني يقذف به في العراء ولم يجرؤ أحد على تجريم الفاعل أو رد حق المغلوب على أمره. ترى ماذا سيفعل العالم لو قلبنا الصورة ورأينا ذلك الغبن يصيب اليهود أو الفرنسيين أو الأميركان أو حتى الألمان على يد العرب؟ بالطبع ستقوم الدنيا ولن تقعد وسوف نوصف بكل الأوصاف غير اللائقة التي للأسف صرنا نوصف بها لجريمة لم ننفذها.

فنحن المتخلفون في ديننا، ونحن الإرهابيون في أعمالنا، ونحن الأثرياء بغير عقول. بينما لو ألقينا نظرة على تاريخ الحروب الدينية في أوروبا لما وجدنا في سير التاريخ ما هو أفظع منها، ولو ألقينا بنظرة على مجازر الاستعمار في الدول العربية لما كان الإرهاب الصفة المناسبة لتصوير مشاهد الذبح العشوائي التي قاموا بها، ولو قرأنا ما يصنعه الأثرياء الأوروبيون لتم تصنيفنا على أننا فقراء. ولم يلق أحد بالتهمة على الأوروبي لأنه ليس عربيا ونال العربي نصيبه من الأوصاف غير الإنسانية لأنه ليس أوروبيا.

كل شعوب العالم كان لها حق الحصول على تطوير آلة الصناعة، إلا العرب، فقد تم شطبهم تماما ولم يسمح لهم إلا بأن يصبحوا آلات استهلاكية لا غير. صحيح أننا أيضا سبب ذلك التقاعس الصناعي، ولكن أوروبا لن تسمح لنا بأي شكل من الأشكال أن نستقل عن (وليس أن ننافس) بضاعتهم ومنتجاتهم ومصانعهم.

فما يطلق عليه سر المهنة أو (savoir faire) أصبح حلما بعيد المنال بالنسبة للعرب. قد يمنح لليابان ولإسرائيل وجنوب أفريقيا وللهند، إلا العرب. وهكذا ظل العرب تابعين للغرب في صناعاته: من صناعة الملاعق إلى صناعة الطائرات.

تم اتهام ليبيا في قضية لوكربي بتنفيذ عملية تفجير طائرة بان أميركان الأميركية عام 1988. والكل تابع القضية على مدى سنوات حتى أخضعت ليبيا وأجبرت على تعويض الضحايا بأرقام خيالية وتسليمها كافة ملفات برامجها النووية.

بينما قامت إسرائيل بعمل مماثل عام 1973 عندما أسقطت طائرة مدنية ليبية اضطر قائدها الفرنسي بسبب سوء الأحوال الجوية الدخول في أجواء سيناء وقتل فيها من قتل من أبرياء، غير أن دماء هؤلاء ليست كدماء الأوروبيين لذا لم يطالب أحد بتعويضهم ولا التحدث عنهم.

يحق لإسرائيل كما يحق لغيرها من دول العالم شرقا وغربا امتلاك كل أنواع السلاح المحظور دوليا من قنابل نووية وأسلحة محرمة مصنوعة في الولايات المتحدة الأميركية واستخدمتها إسرائيل بدورها في إحراق قطاع غزة ليس ضد المسلحين وإنما ضد المدنيين بينما لا يحق للعرب أن يدافعوا أو يقاوموا من يعتدي عليهم.

وبالتالي يحظر عليهم ليس فقط صناعة أو امتلاك السلاح النووي، بل حتى يحظر عليهم استخدام السلاح العادي الذي دفعوا مقابل الحصول عليه مليارات الدولارات، باستثناء استخدامه ضد أنفسهم.

الاعتداء على الآخرين في مفهوم الغرب دفاع عن المصالح الاستراتيجية لكن مقاومة العربي وحروبه لأجل تحرره تعتبر إرهابا دوليا. وهلم جرا....

بالأمس أضيفت قضية أخرى تجري في نفس السياق. ولأول مرة في تاريخ القضاء يصبح رئيس دولة مستقلة مطلوبا لدى القضاء الغربي أو ما يسمى بمحكمة الجنايات الدولية. التهمة: أعمال إبادة جماعية واغتصاب في دارفور. والقضية غير مكتملة الجوانب والشهود غير شرعيين، والتهمة لم تثبت.

حتى ولو سلمنا بصحة الإدعاء، ترى لماذا لم يحاسب غير عمر البشير وترك من فعل بشعب العراق وأفغانستان والصومال ولبنان وفلسطين أبشع ما يمكن فعله في تاريخ البشرية حرا مكللا بالنجاح والانتصار؟ لماذا لم يحاكم أولمرت مثلا على ما صنعه في حق أهالي غزة؟ لماذا لم ترفع محكمة الجنايات الدولية مذكرة توقيف بحق جورج بوش لما فعله ضد الشعب العربي منذ أحداث سبتمبر؟ هل لأن بوش تجري في عروقه دماء الأوروبيين وعمر البشير دماء العرب والأفارقة؟

المسألة أكبر من ذلك، ففي الوقت الذي يزعم العالم بالبحث عن السلام والأمن والاستقرار لشعوب الكرة الأرضية نرى بعض المنظمات التي تديرها دول أوروبية وتسيسها في معظم الأحيان جماعات اللوبي الصهيوني المعروفة بنفوذها الدولي، تقوم بعمل معاكس يعكس ويثير الحقد الذي طالما حمله الأوروبيون ضد العرب والمسلمين ومن ثم حمله العرب ضد الأوروبيين. والحروب المستمرة في العالم قد لا يكون لها مكان لو تم التعامل مع كافة الشعوب المختلفة دينا ولغة ولونا بالعدل والمساواة.

إن عمليات بن لادن لم تولد من فراغ. والمنظمات التي يطلق عليها إرهابية لم تنتشر دون سبب، والتطرف الديني الذي يزداد عنفا يوما بعد يوم ما هو إلا ردة فعل طبيعية لشعوب ملت من التعامل معها بدونية وبفقدان الضمير.

فهل سيستمر الغرب في التعامل معنا بهذه السياسة المثيرة للبغضاء وللعنف إلى أجل غير مسمى؟

لا ندري، ولكننا نعرف بأننا نعاني منذ عصور من ظاهرة الخوف من الآخر، وهو الحديث الذي سنتناوله في المقالة القادمة، لأنه سيكون بمثابة تقدمة للمؤتمر الدولي الذي ستنظمه جامعة السوربون أبوظبي بالتعاون مع جامعة الإمارات بين 17 و19 من هذا الشهر.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com