لاشك بأهمية المبادرة المصرية بالدعوة لعقد مؤتمر للدول المانحة لدعم الاقتصاد الفلسطيني وإعمار غزة.
لأن الأمرين (الاقتصاد والإعمار) بحاجة ماسة لمثل هذا الدعم وللمشاركة الدولية في تقديم نسغ الحياة لشعب أكثر من نصف اليد العاملة فيه عاطلة عن العمل في الضفة وغزة، وبنيته التحتية مدمرة بالكامل أو ما يشبه الكامل كالكهرباء والماء والطرقات والصرف الصحي والاتصالات والخدمات الثقافية والصحية وغيرها، ناهيك عن المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والمدارس والتعليم عامة، هذا إضافة للاحتلال وحواجز الطرقات وحاجز الفصل العنصري، والقمع والإغلاق والمنع من السفر، وفي الفترة الأخيرة إغلاق المعابر وتحويل قطاع غزة (والضفة أيضاً) إلى سجن كبير بل أكبر سجن في العالم.
ولعل هذا الواقع البائس هو الذي قطع الطريق على أية دولة في العالم من أن تتجاهل المشاركة في المؤتمر لأنه واجب على كل دولة وخاصة تلك الدول التي ساهمت في إقامة إسرائيل ودعمت غطرستها وعدوانها رغم أنها تذكرنا صباح مساء بحقوق الإنسان وتمضغ مقولاتها هذه دون كلل أو ملل، وعلى أية حال كان أمراً شديد الأهمية أن شاركت في المؤتمر سبعون دولة وسبع عشرة منظمة دولية، وكانت النتائج مريحة نسبياً إذ قدم هؤلاء المانحون ما يقارب خمسة مليارات دولار وهو المبلغ الذي من المفروض أن يكفي لمواجهة بعض الصعوبات في الاقتصاد الفلسطيني ولإعادة إعمار ما دمره الجيش الإسرائيلي بهمجيته المعهودة. وهو نجاح مشهود للسياسة المصرية دون شك.
لقد لوحظ أن الإدارة الأميركية والدول الأوروبية المشاركة في المؤتمر نوهت بشكل مباشر أو غير مباشر بأن هذه المنح التي قدمتها ليست بريئة تماماً ولا تنطلق كلياً من التزامها بواجباتها الدولية أو بمهماتها الإنسانية أو بسعيها لإقامة السلام العالمي أو لأي سبب مماثل وشامل كهذه الأسباب، إنما هي مرتبطة بضرورة (التهدئة) بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعدم وصول أي مبلغ من هذه المنح (لمن يجب أن لا تصل إليه) أي لحركة حماس وحتى هذه لا تكفي إذ لا بد أن يرضى الفلسطينيون بالشروط الدولية للسلام مع إسرائيل أي الاعتراف بها وقبول الاتفاقيات السابقة معها وشروط الرباعية. وبصريح العبارة لقد اشترطت هذه الدول مسبقاً أن توضع مساعداتها في خدمة (السلام على الطريقة الإسرائيلية).
ودعمت مواقف إسرائيل التي تهدف لإلغاء المقاومة واستمرار الخلل بميزان القوى وتجريد الفلسطينيين من أي ورقة تفيدهم وإلزامهم على قبول الصلح وفق الشروط التي تمليها إسرائيل.
لقد اقترح الفلسطينيون أن تسلم هذه المساعدات إلى طرف محايد، كالمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) أو لجامعة الدول العربية أو البنك الدولي أو البنك الإسلامي أو منظمات أوروبية، ويوكل إليها تنفيذ مهمة الإعمار، دون أن تلاقي هذه المقترحات آذاناً صاغية وتم تجاهلها كلياً مما يغري المراقب بالشك في غايات الدول الغربية المانحة أو على الأقل بمحاولتها الاستفادة من تقديم منحها لابتزاز الفلسطينيين.
يصر الفلسطينيون (كلهم أو جلهم) على أن هذه المنح بشقها الأول هي مساعدات إنسانية أو دعم لشعب تحت الاحتلال وبشقها الآخر مواقف أخلاقية تجاه شعب دُمرت حياته الحاضرة ومستقبله وتعرض للظلم والقهر والاضطهاد أمام أعين العالم كله، وخاصة الدول الغربية (المانحة) دون أن تحرك ساكناً أو تثأر للمبادئ الإنسانية أو للشرعية الدولية أو لغيرها، وكل ما فعلته وما تفعله فقط هو تذكيرنا بحقوق الإنسان في بلادنا وكأن الفلسطيني ليس إنساناً، وترفع سيفها في الوقت نفسه بوجه أي فلسطيني يحتج على الهمجية الإسرائيلية وبوجه أي عربي أو مسلم يرفض انتهاك قيمه وتقاليده ومقدساته، وتتهمه بالعنف والإرهاب والخروج على التحضر والمعاصرة والقرن الواحد والعشرين.
يبقى التساؤل مشروعاً وهو ما فائدة هذه المنح دون إلزام إسرائيل (لا مناشدتها أو التمني عليها فقط) بإنهاء الحصار على غزة وفتح المعابر وتشغيلها بشكل طبيعي، ورفع الحواجز عن طرق الضفة الغربية وإطلاق يد الفلسطينيين ليستكملوا تحقيق الشروط الضرورية لتنمية اقتصادهم وتفعيل دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بلادهم، والكف عن (مصادرة الأراضي فعلياً) وقضمها نتيجة إقامة الطرق الالتفافية والاستيطان .
بل ما هي فائدة هذه المنح إن لم يجبر المؤتمر أو بعض دوله الفعالة الحكومة الإسرائيلية على عدم تكرار مثل هذا العدوان الهمجي الذي شنته على غزة مطلع العام الحالي، وأخذ الضمانات الكافية بأن لا تدمر مجدداً ما ستعمره تقدمات الدول المانحة، مثلما دمرت ما تبرع الأوروبيون ببنائه في غزة في السنوات العشر الأخيرة.
إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي أكثر تعقيداً من أن تحله تبرعات عابرة من دولة أو دول، وهو لم يبدأ عند بدء العدوان على غزة ولن ينتهي بإعادة الإعمار، واستطراداً لن تحله التبرعات المشروطة ولا الضغوط والابتزاز، ومن الصعب أن يقبل الفلسطينيون والعرب ثمناً بخساً وصولاً إلى شروط إذعان.
لعله من المهم أن تقتنع الدول الغربية المانحة بعدم تسييس المنح، وتفهمها كما يجب أن تفهمها جزءاً من واجباتها الإنسانية والأخلاقية لا وسيلة للتسييس والابتزاز وفرض الشروط وإرضاء السياسة الإسرائيلية، وأن تتذكر أن المشكلة نتجت عن سياسة إسرائيل (الصلفة والعنصرية) وعدوانها واحتلالها للأرض العربية.
ما دامت الدول المانحة تشترط تحقيق التهدئة والمصالحة الفلسطينية والاعتراف المسبق بإسرائيل وبقرارات اللجنة الرباعية ولا تلزم إسرائيل بفتح المعابر والسماح بتدفق الأموال بطريق البنوك الفلسطينية وبدخول مواد البناء والمواد الأخرى التي تحتاجها التنمية في الضفة والقطاع، مادام الأمر كذلك فإن موقف المتشائمين تجاه هذه المنح سيبقى هو الأقوى، وستبقى المساعدات والمنح حبراً على ورق.
كاتب سوري