مؤتمر آخر بعد مؤتمر آنابوليس في نوفمبر وباريس في ديسمبر 2007، ينعقد هذه المرة في شرم الشيخ المصرية، يشكل باكورة عمل الإدارة الأميركية الجديدة التي تتعمد اتخاذ المزيد من الخطوات الملموسة، بعد تعيين السيناتور المخضرم جورج ميتشل مسؤولا أميركياً عن متابعة عملية سلام الشرق الأوسط.

الإدارة الأميركية الجديدة، استخلصت بعض دروس وتجارب الإدارات التي سبقت الجمهورية بإدارة جورج بوش الابن، وقبلها الديمقراطية بإدارة بيل كلينتون اللتين استغرقت كل منهما ولايتين كاملتين، ولم تستفيقا على قضية الشرق الأوسط إلا في أواخر عهودهما.

مؤتمر شرم الشيخ، انعقد تحت إشعار «إعادة إعمار قطاع غزة، واتخذ قرارات بتخصيص نحو أربعة مليارات ونصف المليار دولار، تفيض عن التكاليف التي قدرتها حكومة الدكتور سلام فياض، بمليارين وثمانمائة مليون دولار، ليتخذ الفائض بعداً أساسياً اقتصادياً، يشمل دعم السلطة، ولتشجيع سياسة الاعتدال الفلسطيني».

الغائب الحاضر في المؤتمر كانت حركة حماس التي جرى استبعادها، البعض من موقع التعامل معها كفصيل، والبعض الآخر من موقع اعتبارها منظمة «إرهابية»، لكن الكلمات والخطابات لم تستطع القفز عنها أو تجاهلها سواء بطرق مباشرة أو بطرق غير مباشرة.

المؤتمرون والخطباء الذين يمثلون أكثر من سبعين دولة عربية وأجنبية ومؤسسة، أرادوا تأكيد الخطوط العامة للسياسة التي تصر على إنتاجها القوى الدولية، وقوى الاعتدال العربي، فالعالم لم يأت إلى هنا ولم يذهب قبل ذلك إلى باريس، ولم يقدم هذا وذاك الدعم السخي فقط من أجل عيون الفلسطينيين مهما كان لونها، وإنما في إطار توجه سياسي لتحقيق ما عرف برؤية الدولتين، التي يزداد تمسك المجتمع الدولي بها كعنوان للتسوية في المنطقة.

يعرف جميع من حضر المؤتمر، أن إعادة إعمار قطاع غزة تتطلب تهدئة فلسطينية- فلسطينية، وتهدئة فلسطينية- إسرائيلية، ذلك أن توجيه الدعم لشعب غزة عن طريق السلطة ومن موقع تأكيد شرعيتها والاعتراف بها، لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق وتنفيذ عملية الإعمار، وطالما أن حماس هي صاحبة القول والفعل في غزة، ولذلك جرى اشتراط عملية الإعمار بتوصل الفلسطينيين إلى حكومة توافق وطني تستجيب للاشتراطات الدولية التي لم يتخل أصحابها عنها.

ومن ناحية ثانية فإن تنفيذ عملية الإعمار تتطلب تهدئة مع إسرائيل وإلا فإنها ستواصل تدمير ما يتم بناؤه كما فعلت دائماً. المجتمع الدولي والأنظمة العربية قدمت منذ قيام السلطة مليارات الدولارات لتحسين الحياة الاقتصادية والخدمية لسكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، غير أن إسرائيل واظبت على إهدار تلك الأموال وقامت باعتداءات منهجية أدت إلى تدمير كل ما تم بناؤه.

وتتطلب عملية الإعمار أيضاً فتح المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل بدون قيد وشرط وبسرعة، كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، حتى يمكن إدخال المواد اللازمة لإعادة الإعمار، وهي خطوة تذهب إلى السياسة، وتعني أن المجتمع الدولي لم يعد يرى فائدة من الحصار، ولا يشجع السياسة الإسرائيلية التي تعمل على فصل قطاع غزة، والقائمة على حضن مصر التي ترفض ذلك بكل الوسائل الممكنة.

وإذا كان المؤتمر قد جاء بعد انعقاد جلسات الحوار الوطني الفلسطيني الشامل الذي عقد جلسته بحضور الوزير المصري عمرو سليمان وممثلين عن الجماعة العربية في السادس والعشرين من الشهر الماضي، فإن انعقاد مؤتمر شرم الشيخ، إنما يشكل ضغطاً إضافياً على حركة حماس، لإبداء المزيد من المرونة والعزم لإنجاح الحوار والذهاب به إلى نتائج مثمرة بما في ذلك مطالبتها بإدخال ما يلزم من تغيير على سياستها بما يجعلها شريكاً في العملية السياسية، وهو تغيير تسعى قوى إقليمية وعربية جهوداً حثيثة من أجل تحقيقه.

على أنه إذا كان الفلسطينيون بكافة أطيافهم يدركون كل هذه الأبعاد التي ينطوي عليها مؤتمر شرم الشيخ، وقد أكدوا حاجتهم لمواصلة الحوار من أجل إنهاء الانقسام وتعزيز قدرتهم على مجابهة التحديات الخطيرة التي تنتظرهم خصوصاً في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فإن المؤتمر وأساساً القوى الدولية تجاهلت الحاجة لتوجيه ضغوطاتها نحو إسرائيل التي تشكل العقبة الكبرى والأساسية أمام إمكانية نجاح وتقدم عملية السلام.

وفي الحقيقة علينا أن نذكر هنا بأن الولايات المتحدة في عهد أوباما كان عليها أن تستكمل دراسة التجربة الطويلة التي سبقت، وأسباب تعطل كل جهود السلام، وإلا فإن بذل المزيد من الجهد وكسب الوقت، قد لا يؤدي إلى أية نتيجة إذا جرى تجاهل الدروس الأخرى التي يتوجب استخلاصها.

فخلال الخمسة عشر عاماً من المفاوضات التي رافقت تأسيس السلطة الفلسطينية، لم تكن حركة حماس على ما هي عليه من القوة والتأثير، ولم تكن ذريعة الانقسام الفلسطيني موجودة إلى الحد الذي تعتبر عقبة كبيرة أمام عملية السلام، فماذا كانت النتائج ومن غير إسرائيل يتحمل مسؤولية إفشال كل المبادرات السياسية؟

لماذا يتجنب المسؤول الغربي، العقبة الكبيرة التي يمثلها استمرار الاستيطان، وبناء جدار الفصل العنصري، وسياسة تهويد القدس التي تحولت إلى عملية تطريد عنصري؟ ولماذا يتعامل المجتمع الدولي مع نتائج العملية الديمقراطية في فلسطين على نحو مختلف مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي حملت إلى الحكم اليمين العنصري المتطرف، متمثلاً في حزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة افيغدور ليبرمان فضلاً عن اليمين المتطرف الذي يحضر لإشعال المنطقة، ولا يبدي التزاماً حقيقياً بمتابعة عملية السلام؟

في الواقع، فإنه يترتب على الفلسطينيين إسقاط ذريعة الانقسام من أيدي القوى الدولية، حتى تجد نفسها وجهاً لوجه أمام العقبة الإسرائيلية التي كانت ولا تزال ومن المتوقع أن تواصل تحدي الإرادة الدولية، هذا إذا كان هناك ثمة إرادة دولية حقيقية وحازمة وملتزمة بتحقيق سلام عادل في المنطقة يلبي الحد الأدنى من تطلعات وطموحات الشعب الفلسطيني.

المؤتمر يشكل ضغطاً واضحاً على حركة حماس وتأييداً قوياً للسلطة الفلسطينية، وتجديداً لشرعيتها، لكنه كان على المؤتمرين أيضاً وفي الأساس أن يواجهوا ضغوطاً تتجه نحو إسرائيل. وإذا كان الفلسطينيون ماضين في حوارهم فإن اللاجئين الذي دمرت بيوتهم ينتظرون نتائج الجهد الدولي لفك الحصار، وفتح المعابر، وإلا فإنهم قد يمكثون حتى الشتاء المقبل تحت أنقاض بيوتهم المدمرة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com