مازال رئيس الوزراء الروسي بوتين يشكل بالنسبة للغرب وواشنطن مصدر قلق وتوتر دائم رغم تولي الرئيس ميدفيديف على مدى عام كامل مضى جميع شؤون الرئاسة، إلا أنهم في أوروبا والولايات المتحدة لديهم اعتقاد راسخ بأن بوتين هو الذي يدير الأمور كلها من وراء الستار، وأن ميدفيديف يطبق ما يمليه عليه بوتين.

وهذا الأمر لا شك فيه الكثير من المبالغة وعدم الوعي بشؤون روسيا الداخلية، وأيضا لسيطرة ثقافة الحرب الباردة التي توحي للغربيين أن روسيا دائما يحكمها الفرد ولا توجد فيها مؤسسة حكم، لكن الواقع أن هدف بوتين الرئيسي كان هو الإسراع بتكوين مؤسسة رئاسة حقيقية وقوية تحكم بموجب القانون والدستور، ولهذا رفض تماماً تعديل الدستور ليعطيه الحق في فترة ولاية ثالثة على الرغم من أن الأغلبية البرلمانية طالبت بذلك، ولو كان بوتين يريد السلطة والحكم لما ترك الرئاسة بإرادته لميدفيديف.

هذا الواقع وهذه الحقيقة لا تمنع من الاعتراف بأن رئيس الوزراء بوتين يلعب دورا مباشرا في صناعة القرار في روسيا الآن، وهذا أمر بديهي وغير مرفوض من أية جهة في روسيا، فقد وافق الشعب الروسي على الرئيس ميدفيديف الشاب الصغير ليكون رئيسا له لأنه اختيار بوتين أولا وقبل كل شيء، ولهذا يريد الشعب أن يطمئن أن بوتين مازال يشارك في الحكم باعتبار أن ميدفيديف جاء ليستكمل مسيرة بوتين في التنمية والبناء وإعادة مكانة روسيا على الساحة الدولية.

ومن الواضح أن ميدفيديف يؤدي هذه المهمة بشكل جيد، حيث يلاحظ الكثيرون أن أسلوب ميدفيديف في الحديث والحوار قد تغير كثيرا عن ذي قبل وأصبح يقترب إلى حد كبير من أسلوب بوتين الحاد والصارم، على الرغم من أن الغرب كان يتوقع من ميدفيديف لغة أكثر هدوءا ودبلوماسية، ولكن هذا الهدوء لم يظهر على ميدفيديف حتى الآن.

وربما تكون الأحداث التي وقعت منذ تولي ميدفيديف الحكم هي التي دفعته إلى تغيير أسلوبه الدبلوماسي الهدئ إلى الأسلوب القوي والصارم، وخاصة أحداث الحرب في القوقاز والغزو الجورجي لأوسيتيا الجنوبية، والتي بدا معها ميدفيديف قويا وصارما ومهددا باستخدام القوة، كما بدا ميدفيديف حاداً أيضاً في مواقف لا تطلب الحدة ولا الصرامة.

وذلك عندما أعلنت النتيجة في واشنطن بفوز الرئيس باراك أوباما بالرئاسة، وبعدها بساعات قليلة وقف الرئيس ميدفيديف في الكريملين يخطب ويهدد بنشر صواريخ اسكندر الروسية في إقليم ليننجراد في قلب أوروبا كرد على منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية ن وكان موقفا غريبا لم يتوقعه أحد وسبب صدمة ليس فقط في واشنطن بل في في معظم دول أوروبا، خاصة ،أن الرئيس ميدفيديف لم يهنئ في خطابه الرئيس الأميركي الجديد أوباما بالفوز في الانتخابات واكتفى بعد ذلك بإرسال برقية تهنئة بروتوكولية.

كل هذه المواقف وغيرها لكثير لا يمكن القول بأن رئيس الوزراء بوتين يقف خلفها وينظمها ويمليها على الرئيس ميدفيديف، ربما يوافق بوتين عليها أو يستشار حولها ويشارك في إعدادها، لكنه ليس وحده الذي يضعها ويأمر بتنفيذها، الأمر ليس بهذا الشكل الذي يتخيله الكثيرون في الغرب، وروسيا الآن لديها مؤسسة رئاسة متكاملة ولها خبرائها ومستشاريها الذين يشاركون في صناعة قراراتها، ولا يوجد من يملي أو يفرض قراره على هذه المؤسسة.

ولا يقبل بوتين نفسه أن تدار روسيا بسلطة الفرد، وإلا ضاعت كل إنجازاته التي أنجزها في الرئاسة هباء إذا ما تعرض الفرد الذي يفرض قراراته لأي ضغوط أو إغراءات داخلية أو خارجية، وبوتين رجل الاستخبارات السابق يعلم جيدا أن أي نظام يديره فرد واحد يكون بقاؤه مرهونا ببقاء هذا الفرد وينهار تمتما من بعده.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com