القراءة للأطفال فن لا يتقنه الكثيرون، وقد يكون شخص ما قارئًا جيدًا لنفسه، ولكنه حين يقرأ لغيره يضيع الفكرة، فكيف إذا كان هذا «الغير» أطفالا لم يتجاوز عمر أكبرهم تسع سنوات؟ هذا ما كنت أفكر فيه وأنا في طريقي لمدرسة الشارقة الأميركية الدولية التي قرأ فيها محمد بن سليم قصة (أنا ويدي اليسرى) لطالبات الصف الخامس، ضمن فعاليات مشروع (ثقافة بلا حدود) الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، إبان معرض الشارقة الدولي للكتاب 2008.

تذكرت في أثناء حضوري لهذه الفعالية أنني قمت مرة بتوزيع استبيانات تبحث في مدى حضور «القراءة» في حياتنا اليومية، ضمن الأجواء العائلية خصوصا، وكانت نتيجة الاستبيان مرعبة حقا، إذ كشفت عن عدم وجود عادات قرائية تُمارس ضمن محيط الأسرة.

كما كشفت تلك الاستبيانات أن القراءة للأطفال خصوصاً ليست من العادات المنتشرة، بحسب الاستبيان الذي شمل حينها أكثر من مئة أسرة تتوزع ما بين مواطنة ومقيمة، وذلك على الرغم من أهمية مثل هذا الفعل في ترسيخ القراءة في نفس الطفل بوصفها عادة حياتية يومية، من الطبيعي أن يمارسها مثلما يمارس أية عادة يومية أخرى.

وتأتي مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، بتوفير مكتبة لكل أسرة، في سياق التأكيد على ضرورة تعزيز عادة القراءة عند الأسرة الإماراتية، كما تأتي الفعاليات الثقافية المصاحبة لهذه المبادرة لتدعم هذا التوجه.

حين دخل بن سليم القاعة لم يبدأ في قراءة القصة المطلوبة منه مباشرة، بل مارس دوره كأب قبل أن يمارس الدور المطلوب، وهو القراءة لهؤلاء الأطفال. تداخل مع الأطفال وخاطبهم بكلماتهم وأسلوبهم وعباراتهم، وبدأ ؟ أول ما بدأ - بتوجيه اهتمامهم نحو اللغة العربية، وحثهم على تعلمها ومعرفة جمالياتها من شعر وبلاغة وغير ذلك، دون أن يقلل من شأن تعلم اللغات الأخرى، بل وجههم نحو ضرورة تعلم اللغات الأخرى وإتقانها، بعد إتقان اللغة الأم.

لم يخطب خطبة عصماء عن أهمية اللغة العربية، ولم يستشهد بما شاءت له ذاكرته آنذاك من قرآن وشعر ونثر، ولم يرفع صوته ـ مثلما يفعل كثيرون عند رغبتهم تأكيد فكرة ما ـ أبداً وهو يحدث أطفالا في الصف الخامس حديث الأب لبناته.

في المقابل، لم يقم بأي شيء استثنائي، كل شيء كان بسيطا ومباشرا وواضحا، لكنه كان صادقا خارجا من القلب، ووصل إلى القلب مباشرة، هذا ما يلحظه أي متأمل للمشهد، حيث كان تفاعل الطالبات معه كبيرا جدا، أكثر مما هو متوقع، فهذا الشخص الذي عرف طوال حياته كيف يصل إلى هدفه بأسرع وقت أثبت في هذا الموقف أيضا أنه يعرف هدفه دائما، ويعرف كيف يصل إليه بأسرع وقت وأقل جهد أيضا، مهما كان هذا الهدف.

ومن المعروف أن القراءة للأطفال لا تعني الإمساك بالقصة وقراءتها فقط، إذ يحتاج الطفل إلى شرح بعض العبارات، وتبسيطها، وهذا ما كان يفعله بن سليم. لكنه كان أيضا يوجه الأسئلة، ويمنح جمهوره الصغير فرصة التفكير، والتحليل والاستنتاج، بما يحتمله سياق القصة التي يقرؤها له، كما كان يعطيهم الأمثلة، كي يقرب الصورة لهم أكثر، ويطلب منهم تزويده بأمثلة خاصة بهم.

لاحظت أيضا أنه كان حريصا جدا على غرس القيم الأخلاقية المتضمنة في القصة في نفوس الطالبات، وذلك بتكرارها، وتأكيدها، وتقديمها بأوجه مختلفة.

ولفت انتباهي أنه حين وصل إلى نهاية القصة كانت هناك بعض الصور، يبدو أنها لشخصيات كانت تستخدم يدها اليسرى، كبطلة القصة، وحين وصل إليها بن سليم لم يتجاهلها، بل استثمر الموقف في فتح حوار جديد بينه وبين جمهور الطالبات الصغيرات أمامه، وسألهن عن أصحاب الصور، واستمع إليهن، وصوب معلوماتهن في النهاية.

انتهت القصة، لكن لقاء بن سليم بالطالبات لم ينتهِ، لأنه كما هو واضح من البداية لم يأتِ ليقرأ قصة ويمضي في سبيله، بل جاء ليجلس جلسة أبوية مع هؤلاء الطالبات. وبنفس الفكرة الأساسية التي بدأ بها لقاءه معهم شاء أن يختم هذا اللقاء، فعاد وتحدث مرة أخرى عن اللغة العربية، وضرورة حفاظ الشعوب على لغاتها الأم، ووضح أن لغتنا الأم هي اللغة العربية، وببساطة قال لهم إن الإنجليزية سهلة، وتعلمها سيأتي مع الوقت، ويمكن للإنسان ؟

إذا عرف لغته - أن يكتسب عدة لغات، فليست هناك صعوبة في هذا الأمر، لكن الصعب في هذا الوقت هو أن يحافظ كل منا على لغته الأم. كما حثهم على التحدث بالعربية في المنزل، ومع أي شخص، «لأن الذين يأتون لبلدنا يجب أن يتعلموا لغتنا وأن يتحدثوا بها، وليس العكس».

ولم ينسَ أن يوصي الطالبات بالقراءة بالعربية، وقال لهن بأسلوب الخبير بعوالم الأطفال إنها ستكون صعبة في البداية، لكنها مع الأيام ومع تكرار المحاولة ستصبح سهلة.

لقد كنت أستشعر متعته وهو يتحدث مع هؤلاء الصغيرات.. وهو يتبادل معهن أدوار الحوار والمشاكسة، إذ لم يكن اللقاء جافا، ولا كان مملاً، ولم نشعر بالوقت الذي انقضى ونحن نشاهد جلسة أبوية يسودها جو الألفة والاحترام المتبادل، هن يحترمنه احترام الابنة للوالد، والطالبة للأستاذ، وهو كان يبدي احتراما فائقا لإجاباتهن على أسئلته، بما يرسله هذا من احترام لفكرهن وعقولهن.

قبل أن يختم لقاءه بهن فتح حواراً سريعاً عن الخط، وسأل عمن تمتلك خطا جميلا، وكاد أن يعقد مسابقة لأجمل خط، لولا ضيق الوقت، فقام عوضا عن ذلك بتوزيع بعض القصص على الطالبات، مؤكدا ضرورة قراءتها، وعدم وضعها في الأدراج، ولم يغادر القاعة إلا بعد أن انتزع منهن وعدا بقراءتها..

هذا من جهته، أما من جهتهن، فإنه لم يغادر القاعة إلا بعد أن وقع قصة كل واحدة منهن، قصة قصة، بمتعة لا تقل عن متعته أثناء القراءة، وبمشاكسة استمتعت بها الطالبات حتى آخر لحظة.

إن مثل هذه الفعاليات من شأنها أن تحبب الأطفال في القراءة، وأن تجتذبهم إلى عوالمها الرحبة التي لا يعرفونها حتى الآن، لذلك فإن تكرار هذه الأنشطة، ومع شخصيات معروفة ومحبوبة من جهة، ولديها القدرة على التخاطب مع الأطفال وغرس بعض القيم في نفوسهم من جهة أخرى، من شأنه أن يسهم بقوة في إنشاء جيل قارئ، وهذا مقوم أساسي من مقومات المجتمعات الناجحة، نحتاج أن نوليه عناية خاصة وحرصا مضاعفا الآن كي نجني ثماره في المستقبل.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com