العودة لموضوع التركيبة السكانية والخلل الذي نعيشه يدعونا إلى طرحه مرارا وتكرارا ولا من يأس في ضرورة الوصول إلى حل جذري لهذه المشكلة العويصة التي اقتربت من الخطوط الحمراء حين نتلمس ونتابع ما تلعبه هذه الجموع من دور في إحداث بلبلة في مفردات الأمن والأمان الداخلي وبخاصة ما نسمعه ونشاهده من جرائم غريبة على مجتمعنا الذي بات مشدود الأعصاب تجاه هذه الخروقات التي وصل تهديدها إلى فلذات الأكباد.

ولعل جانب الأمان الاجتماعي هو أهم ما يفتقده الإنسان في غمرة الشعور بضياع الهوية مع طوفان الأجانب الذي بدأ يدب في كل الأنحاء وأصبح تواجدهم كثيفا أينما يممت وجهك، ولعل الفوران للوجود السكاني العظيم للآسيويين جعلهم مثل السيل العرم يتقاذفون من كل جانب، وتتساءل في نفسك بشكل شبه يومي : متى يرحلون؟ ولا توجد إجابة شافية لأنهم بدءوا مثل قوم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، وبدءوا يتكاثرون.

وأصبحت عائلاتهم ممتدة، وحين تفكر أن تخرج لتتمشى في شوارع الحيّ لتقضي على رتابة الوقت تصدمك حقيقة جديدة أن جيرانك الذين رحلوا قد مكنوا الغريب من بيتهم، وكم تزايدت أعداد الغرباء لدرجة أن العيون الغريبة ترمقك وكأنك الغريب، تتساءل مرة أخرى ماذا يعمل هؤلاء الذين يفترشون ساحات رمالنا وحدائقنا وأرصفة شوارعنا نهارا وليلا ولا ندري كيف يعيشون ويقتاتون وهم في بطالتهم يرزخون؟ ولا تكفي التساؤلات للتعبير عما يعتمل في الصدور .

وإذا عدنا مرة أخرى إلى الإحصاءات السكانية لدولة الإمارات سنعود إلى الوقوف عند النقاط ذاتها التي انطلقنا منها مرات عديدة في مقالات سابقة وتتلخص في نمو سكاني سنوي غير مسبوق بين دول العالم وبالتالي نتائج غير متوازنة على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، أما بالنسبة للجانب السياسي فإن هناك تأثيرات غير منكرة لعل أهمها ضياع الهوية الوطنية للدولة، وربما على مدى غير بعيد سيكون لهذه العمالة الأجنبية وقفة بخاصة وأنهم يمثلون1 .78 من نسبة إجمالي عدد السكان أي يقدر عددهم بنحو ثلاثة أرباع، هذه النسبة المخيفة تعطينا انطباعا بأننا دولة صناعية من الطراز الأول أو دولة تقوم على أساس أن لكل مواطن واحد ثلاث عمال.

ورغم أن هذه النسبة مفزعة إلا أنها في حقيقة الأمر غير دقيقة إذا أيقنا أن هناك من لم يدخلوا في هذا الإحصاء بصفتهم عمالة مخالفة تعيش في البلد بصورة غير شرعية، ومنهم من لا ينطبق عليه لفظة «عمالة» لأنهم لا يملكون مهنة من الأساس .

وتدفع دولة الإمارات فاتورة ضخمة نظير هذا النمو السكاني بخاصة من حيث سوء استخدام الموارد الطبيعية حيث تحتل المرتبة الأولى في هذا الجانب الذي يشعرنا بالخجل نحو العالم بأسره لان هذا الاستنزاف يلعب دورا في دمار الكوكب مما دفع ببعض الوطنيين المخلصين للقيام بحملة وطنية تهدف إلى الحفاظ على هذه الموارد من خلال رفع معدل وعي الفرد في الدولة بموضوع «البصمة البيئية»، ويسعى المسؤولون عن هذه المبادرة إلى أن تدفع باتجاه وضع خطط ومعايير يتم على أساسها التخفيف من الأثر السلبي لسلوكيات الإنسان على البيئة التي كان لها تأثيرا كبيرا على مختلف أوجه الحياة فيها، وشكلت ضغوطا على الموارد الطبيعية،وبخاصة موارد المياه والطاقة.

وكما قال معالي محمد البواردي رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للحياة الفطرية «إننا في دولة الإمارات لا نواجه خطر استهلاك قدر أكبر من الطاقة مما ننتج وحسب، بل إننا نسهم أيضاً في مشكلة التغير المناخي بسبب حرق كميات كبيرة من الوقود المستخرج من باطن الأرض، وإذا لم يتم تدارك الأمر، فسيكون لهذا بالتأكيد أثر كبير على دورة الحياة وعلى البيئات الساحلية والإرث الطبيعي للأجيال المقبلة».

من ناحية أخرى نجد أن لهذا النمو الديموغرافي ظلاله على موضوع التضخم الاقتصادي وقد يتساءل البعض ما العلاقة بين التضخم وبين النمو السكاني، ولكن إذا عدنا إلى العوامل المسببة للتضخم الاقتصادي سنجد أن هناك مجموعة عوامل تقود عملية التضخم وكلها تعود إلى زيادة معدلات بعضها عن حده الطبيعي نتيجة زيادة أعداد السكان ولنأخذ موضوع القروض على سبيل المثال فقد أكد اقتصاديون في دولة الإمارات العربية المتحدة أن ارتفاع حجم القروض الشخصية الاستهلاكية سيسهم في رفع معدلات التضخم في الدولة، في الوقت الذي تسعى فيه إلى محاربة الارتفاع المتواصل في الأسعار، وكانت القروض الشخصية (الاستهلاكية) في الإمارات خلال الربع الثاني من العام الماضي ارتفعت إلى 029 .54 مليار درهم مقارنةً مع 4 .48 مليار درهم بنهاية مارس 2007 بنسبة نموٍ بلغت 8 .11% .

أما القضية التي تشعرنا بعدم الأمان وبخاصة وان استشراف المستقبل يدفعنا إلى استقراء الواقع هي نسبة تملك الأجانب للعقارات في الدولة، فعملية البيع والشراء هذه تسبب جدلا كبيرا بين أوساط المواطنين الذين ينظرون إلى القضية بأنها قضية أمن عام بخاصة وان تركز هذه العقارات في أيدي مجموعة من الجنسيات تشي بأن هناك تقويض لمستقبل الأجيال القادمة التي ستفتح عيونها على حقيقة صعبة وهي أن نسبة تملك الأجانب أعلى بكثير من تملك المواطنين.

فحسب النسب الموجودة فإن نسبة 96% هي النسبة لحقيقة تملك الأجانب في دبي وحدها كما جاء في إحصائية دائرة الأراضي والأملاك، هذه النسبة وحدها تضع المؤشرات التي تعبر عن مستقبل غير مطمئن، فعملية تملك الأجانب لا بد أن تخضع لضوابط قانونية صارمة أسوة ببعض البلدان التي لا تسمح للأجنبي بتملك عقارات أو أراضي، فمتى نضع حدا لكل من هب ودب.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com