مع انسحاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إحدى جلسات مؤتمر دافوس احتجاجاً على عدم إعطائه فرصة الرد على الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، بدا وكأن العلاقات التركية الإسرائيلية ستدخل إلى مرحلة الأزمة، خاصة وان التصريحات التي صدرت عن أكثر من مسؤول إسرائيلي حول الواقعة أثارت استياء لدى قطاعات تركية متعددة منها قيادات في المؤسسة العسكرية وهى التي ترعى تطور العلاقات بين الجانبين، خاصة وأنها تسير بخطى متسارعة فيما يتعلق بالتعاون في المجال العسكري.

وبعيداً عن هذا التطور الأخير، فإننا نستطيع أن نلمح تخوفات إسرائيلية من تحولات على صعيد العلاقات مع تركيا فسرتها «أوفرا بنجيو» الباحثة في مركز موشي دايان للدراسات حول الشرق الأوسط وإفريقيا، في عدة مخاوف أولها تغيير الأولويات التركية في ظل حكومتَي «حزب العدالة والتنمية» ولأن الحكومة التركية في ظل حكم الحزب أصبح لديها تصوّر جديد لدور أنقرة في السياسة الخارجية في المنطقة.

والمبادئ الأساسية لهذه السياسة، وعلى الرغم من أنها قد تتضارب باختلاف المراحل، تحددها الباحثة الإسرائيلية في التالي: تأدية دور محوري في المنطقة. وتعددية الأطراف أي التقرّب من البلدان العربية والإسلامية في المنطقة مع الحفاظ على الروابط مع إسرائيل في الوقت نفسه. والانخراط مع الدول المجاورة من أجل تجنّب النزاعات معها.

تأدية دور الوسيط في العديد من المشكلات الإقليمية. ومحاولة إرساء توازن جديد بين سياسات تركيا الأوروبية والشرق الأوسطية. وإرساء نموذج دولة إسلامية ديمقراطية مختلفة عن إيران تستطيع البلدان العربية والإسلامية أن تقتدي به.

وتضيف الباحثة مصدرا آخر للمخاوف الإسرائيلية هو انتشار ظاهرة العداء للسامية في تركيا في الأعوام الأخيرة، فقد حقّق كتاب هتلر «كفاحي»، حسب قولها أفضل المبيعات في تركيا.

والأسباب المباشرة لارتفاع العداء للسامية ليست واضحة واضحة، فربما كان ناجماً عن تنامي الاتجاهات القومية المتشدّدة، أو ربما كان السبب أنه اكتسب شرعية لمجرّد وصول حزب إسلامي إلى السلطة. ولكن الأمر ذا الدلالة بالنسبة لإسرائيل هو أن الحكومة التركية لم تبذل مجهوداً كافياً لمحاربة هذه الظاهرة.

والمصدر الثالث للمخاوف فهو أن إسرائيل ترى أن التحوّل الأهم في ظل «حزب العدالة والتنمية» هو أنه جعل الإسلام منصة ينطلق منها في مسعاه لقيادة المنطقة. وهكذا أشرك الحزب «حماس» ومنحها شرعية بدلاً من نبذها كما فعلت معظم البلدان الأخرى.

كانت دعوة خالد مشعل القيادي في حركة حماس لزيارة أنقرة في مطلع 2006 مؤشراً لما سيحصل لاحقاً. فخلافاً لمصر والسعودية والأردن، لم تثر أنقرة شبح الإسلام الشيعي، مما سمح لها بأن تظهر في موقع الفريق المحايد في النزاع السني-الشيعي الذي يدور في المنطقة، وبأن تعزّز تالياً مكانتها في العالم الإسلامي.

وهذه المخاوف لا تعني أن الأزمة الحالية في علاقات الدولتين ستصبح أزمة مزمنة، ذلك أن معظم التحليلات ترى أنها ستكون أزمة عابرة، ويطرح أصحاب هذه التحليلات مبررات متعددة حول هذا الأمر في مقدمتها أن الأزمة ارتبطت بحزب العدالة والتنمية وحكوماته، وهو ما يعني أن أي تداول للسلطة سيؤدي إلى اتجاه آخر على صعيد علاقات الدولتين. أما المبرر الآخر فهو أن هناك أسبابا منطقية تدفع إلى الاعتقاد بأن الدولتين ستتمكّنان من تجاوز الأزمة الأخيرة، مهما كانت خطيرة، وذلك انطلاقاً من المصالح المشتركة بينهما.

ذلك انه ليست هناك مشكلات خطيرة بينهما على المستوى الثنائي. فهما لم تخوضا قط حرباً في ما بينهما، كما أن أي منهما لا تشكّل تهديداً استراتيجياً للأخرى. فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من كل التغييرات في الخريطة الجيو إستراتيجية في المنطقة، لا تزال تركيا وإسرائيل تجمعهما نظرات مشتركة إلى التهديدات.

فالدولتان تتخوفان من إمكانية أن تمتلك فيه إيران أسلحة نووية، ومن المؤكّد أن الجيش في تركيا يرغب في الحفاظ على روابط استراتيجية وثيقة مع إسرائيل في هذا المجال. وكلتا الدولتين تحتاجان إلى تبادل المعلومات والخبرة التكنولوجية لمواجهة شبكات الإرهابية الدولية.

فكما في الحالة الإيرانية، إسرائيل هي بمثابة حصن ضد التهديدات الحقيقية أو المتخيَّلة التي تصدر عن جيران تركيا العرب وذلك يؤكد أن الدولتين تجمعهما بعض تهديدات استراتيجية مشتركة. إضافة إلى ذلك، فإن سعي تركيا إلى تأدية دور الوسيط بين العرب وإسرائيل سيؤدي إلى تجاوز الخلافات الحالية. ويجب أيضاً عدم التقليل من شأن المصالح الاقتصادية المشتركة ذلك أن التعاون الاقتصادي بين الدولتين في نمو مستمر. وبالتالي، فإن الأزمة بين البلدين على الرغم من الاهتمام الاعلامي بها.

هي أزمة عابرة، وليست هيكلية حسبما تتعامل معها بعض وسائل الإعلام العربية، فعلى الرغم من أن العلاقات التركية ـــ الإسرائيلية في ظل حكومتَي حزب العدالة والتنمية خسرت الكثير من الحميمية التي كانت تتمتّع بها في التسعينات، إلا أن روابط المصالح المتبادلة لا تزال قوية بما يكفي للسماح للدولتين بتجاوز الأزمات التي قد تطرأ من حين لآخر.

وفي هذا الصدد تجب الإشارة إلى أن العلاقة بين الدولتين شهدت من قبل أزمة في عهد رئيس الوزراء الأسبق بولند أجاويد على خلفية هجمات إسرائيلية شرسة على قطاع غزة، وتم تجاوزها، وهو ما يعني أن الرسميين الأتراك عادة ما ينتقدون إسرائيل في حال تجاوزاتها الإنسانية، ولكن العلاقات تظل طبيعية، وهو ما يؤكد أن العلاقات بين البلدين ستعود إلى طبيعتها بعد فترة قصيرة من الوقت.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail. com