ترى صحيفة «غارديان» البريطانية أن الدول الغربية لتي أرسلت قواتها إلى أفغانستان لتحارب الإرهاب هناك، لم تحقق نجاحا يرقى إلى مستوى ما حققه الاتحاد السوفييتي عندما كانت القوات السوفييتية موجودة في هذا البلد.
لقد كانت العاصمة الأفغانية كابول واحة حقيقية للهدوء خلال الحقبة السوفييتية. صحيح أن المجاهدين كانوا يطلقون صواريخهم على كابول بين الفينة والأخرى، ولكن عدد تلك الصواريخ كان يحصى بأصابع اليد الواحدة، ولم يلحق ذلك القصف أضراراً تذكر بالمدينة. أما الآن فإن كابول تتعرض إلى هجمات متواصلة يجريها «طالبان».
وقالت «غارديان» إن الأمم المتحدة نددت بدخول القوات السوفييتية إلى أفغانستان. غير أن موسكو لم تضع نصب عينيها أهدافا تصبو الولايات المتحدة الأميركية إلى تحقيقها بعد عام 2001. لقد ساعدت موسكو نظام الحكم الأفغاني في مواجهة خطر الحرب الأهلية.
وخرجت القوات السوفييتية من أفغانستان بعد عقد اتفاق يقضي بإيقاف دعم المجاهدين وبدء الحوار الأفغاني الأفغاني، وهو أمر أتاح للروس حفظ ماء الوجه بينما أتاح للحكومة الأفغانية الاستمرار في إدارة شؤون البلد.
إلا أن واشنطن وباكستان لم تلتزما بذلك الاتفاق حيث استمرتا في تزويد المجاهدين بالسلاح وحرضتهما على رفض المصالحة الأفغانية الأفغانية. وتمكن المجاهدون في النهاية من إحراز الانتصار المنشود. ولكنهم ما لبثوا أن دمروا كابول، وهو ما أغضب الشعب الأفغاني ومهد الطريق لوصول حركة طالبان إلى الحكم.
وقالت صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية بدورها مستشهدة بأقوال أركان وزارة الدفاع الأميركية إنه لم يعد بإمكان أميركا القيام بأعمال بناء دولة الديمقراطية في أفغانستان، إذ يجب تسخير كل القوى والموارد المتوافرة لاكتشاف واقتحام مخابئ طالبان في مناطق القبائل الباكستانية.
رغم كل هذه الأوضاع فوجئنا منذ أيام بأن البيت الأبيض في واشنطن يسعى لتوقيع اتفاقية سياسية هامة مع حركة «طالبان» وربما للتخلي عن رئيس البلد الحالي حامد كرزاي. وذلك بسبب تردي الوضع في أفغانستان بشكل عام، بينما الانتخابات الرئاسية في أفغانستان قادمة في أغسطس.
لقد بدأت الولايات المتحدة، بجس النبض بشأن إمكانية توقيع اتفاقات مع «طالبان». وقد يستبدلون كرزاي بحكومة موحدة من المعارضة، تضم ممثلين عن «طالبان» ومؤسسات السلطة الحالية. وجرت الإشارة في بيان البيت الأبيض إلى أن زيادة عدد أفراد القوة العسكرية الأميركية في أفغانستان ضرورية لاستقرار الوضع في أفغانستان، الذي تردى نتيجة عدم حصوله على الاهتمام الاستراتيجي المطلوب.
وسيرسل إلى أفغانستان خلال الأشهر الستة القادمة، حسب معلومات وسائل الإعلام الغربية، 8 آلاف فرد من مشاة البحرية و9 آلاف فرد من وحدات الجيش. الولايات المتحدة بعد فرض سيطرتها على العراق ونفطه، تنقل اهتمامها الآن إلى أفغانستان. باعتبارها موقعا جيوسياسيا وعسكريا استراتيجيا هاما وشاسعا، لم تستثمر ثرواته الطبيعية، عمليا.
بيد أن القوات الأميركية المنسحبة من العراق لن تعود إلى الوطن ، فبالإضافة إلى السيطرة على أفغانستان التي جعلتها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي حاملة طائرات برية هائلة تجثم في قلب أورآسيا، تسعى واشنطن إلى زعزعة استقرار باكستان حتى لا يتسنى للصين إيجاد قاعدة لقواتها البحرية في أحد الموانئ الباكستانية المطلة على خط الإمدادات النفطية من الخليج العربي.
ولعل الأكثر أهمية هو أن أفغانستان تتيح لواشنطن وحلف شمال الأطلسي (الناتو) نشر قوات قادرة على ضرب أي هدف في الأراضي الروسية وفي آسيا الوسطى وفي إيران وباكستان والهند، في غضون أسبوع.
وعلى مَنْ يتوهم أن الولايات المتحدة والناتو يدافعان عن مصالح باقي العالم في أفغانستان أن يتوقف عن تعليل نفسه بهذا الوهم، فالآلة الحربية الأميركية-الأطلسية تعمل على تحقيق مصالح الأميركيين والأطلسيين لا مصالح الغير في هذا البلد. والأميركيون لن يتوانوا عن افتعال ما يشبه حربهم الماضية على فيتنام بفارق أن الحرب «الفيتنامية» ستستهدف هذه المرة جيران أفغانستان وعلى رأسهم الصين وروسيا.
كاتب روسي