لو تحدثنا في أمر «عصابة كرسي الموت» التي أوقعتها يقظة رجال الشرطة في قبضة العدالة وكفت الناس والمجتمع من شرها لكررنا أطناناً من حبر الكلام الذي حبرت به الدراسات الأمنية والاجتماعية حول واقع الجريمة عندنا وأين وصل؟ لكن أياً منا سيتصدى للكلام أو الحديث هذا.
. لن يجد نفسه إلا مطارداً بحقائق لا تقبل القسمة على اثنين، حادة، وصلبة لا يمكن لفأس الجدل ان يشطرها إلى شطرين.. أولها ان ثقافة الجريمة في مجتمعنا وصلت إلى نوعية مخيفة، وثانيها ان الواقع الحالي للمجتمع وهو يعاني من شروخ في الهوية، وتركيبة جائرة مازال يفرز ويعكس الظواهر الخطرة والمقلقة يفترض انه في غنى عنها، ونحن اليوم أشد قرباً من خطرها الداهم هذا.
لا يمكن لأي فاحص ان يتأمل في النوعية التي وصلت إليها الجريمة وإلا يذهب فوراً إلى ذلك الاتجاه المرير، وهذا الوضع من الحقائق التي لا تقبل التزييف ولا التسويف ولا اللون الرمادي مطلقاً.. صار لدينا منبت للجريمة، ومن يحاول ان يعبث بهذه الحقيقة بأي منطق أو عذر كان فهو لا يمارس إلا خداع نفسه وخداع الواقع الذي ينضح بالأدلة.
عصابة «كرسي الموت».. نبتت عندنا وهي ليست من ترابنا ولا ماءنا، لكنها نبتت مثلما هيأ الوضع القائم والمنقلب منابت لجرائم مخيفة ومرعبة على شاكلتها.. فتكوين العصابات صار ملمحاً وصار طبيعياً على «مدى وحدود» الجريمة اليوم!! وها هي الأمور الأسوأ تتموضع كنقطة في سلم التطور والتكاثر وتبني بيتها في مصطلح «الظاهرة»..
والذين مازالت في ذاكرتهم بقايا من صور حياتنا في هذا المجتمع، قبل عقود قليلة جداً، تبكيهم تلك الصور لأنهم يفتقدون واقعها الأمني!!.. لم نكن نعرف مثل هذا الرعب سابقاً..لا في أسماء العصابات ولا في أفعالها، لأن مصطلح عصابة لم يكن يرد لا أمام أعيينا ولا على أسماعنا.. يوم كان المكان بكراً، صافياً كالحليب، دافئاً كالحب والشوق!!
تعدد الجريمة وارتفاع خطها البياني ورقيها في النوع والكيف وتوغلها في المكان والحياة والإيقاع اليومي، أمر مخيف، وقراءتها قراءة أمنية فيها كلام كثير ومهم!!.. فرياح الرعب هذه والنوافذ المفتوحة عليها واضحة وضوح الشمس، ولا تحتاج لفك شفرة أو سر.. صرنا نتلقف المصائب تترى، ومعولها الهدام يجد بيئته المثلى! والقادم لن يكون هيناً حتى وان كنا في حراسة أبناء أكفاء يضعون أرواحهم فداء لهذا التراب الطاهر وفداء لنا.. هذا التركيب الظالم لوجه المجتمع، وهذا الزرع العبثي في أحشائه، وهذا التيار الرخيص الذي تنفسه كثقافة في الشارع ومن حولنا لن يتركنا في حالنا..
«عصابة كرسي الموت» وما قبلها وبعدها من تشكيلات لا تفضح إلا واقعنا اليوم.. واقع علينا تدارك أشياء جذرية فيه وإلا تحول إلى طوفان صعب!
