أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة الخميس الماضي رفضها لبعض ما ورد في التقرير الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً، الذي يرصد انتهاكات حقوق الإنسان في عدد من دول العالم، معتبرة أن تقرير واشنطن اعتمد على «تصريحات معممة وغير موثقة».
في واقع الأمر المسألة أخطر من ذلك. فلم تتوان الأخبار العالمية في عدد من المناسبات عن التطرق بإسهاب وبمبالغات مقصودة إلى الإضرابات العمالية التي حدثت ـ كما تحدث في أي مكان من العالم ـ في بعض إمارات الدولة وكأنها لم تحصل ولا تحصل إلا في دولة الإمارات.
ومن إحدى طرق الوصف غير المكتوب والإثارة النفسية التي تعتمد عليها وسائل الإعلام هي الصورة والفيلم التسجيلي، ويكفي أن تنشر السي إن إن على سبيل المثال على موقعها الالكتروني صورة لمجموعة من العمال الآسيويين بلباسهم الأزرق وهم نائمون على قطع من الكرتون على أرصفة الشوارع تحت أشعة الشمس الحارقة حتى تتحول المسألة إلى قضية واتهامات متسرعة من قبل هيئات ومؤسسات عالمية وبالخصوص أميركية تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان في العالم.
المسألة تدعونا إلى حل هذه المشكلة من طرفين. لأن تلك الإشاعات حتى ولو لم تكن صادقة أو مبالغا فيها أو مغرضة سوف تؤثر سلبا في سمعة هذا البلد الذي في فتح ساعديه وصدره لاستقبال كافة الجنسيات وسمح لهم بالعيش في أمن وأمان لا يحلمون به حتى في بلدانهم التي أتوا منها والتملك الحر في مناطق تعتبر من أرقى مناطق الدولة دون تفرقة بين جنسية وأخرى ودين وآخر، ووفر لهم ليس فقط فرص العمل التي سحبت من تحت أقدام أبناء البلد بل وفرت كل ما يخدم حياتهم بشكل طبيعي.
لطالما تمنينا أن تتدخل منظمات حقوق الإنسان بمساءلة الشركات الأجنبية ومعظمها من الجنسيات الأجنبية آسيوية وغربية عن حقوق العامل المواطن لديها؟
لكن يجب أن نلوم أنفسنا قبل أن نلوم تلك المنظمات الإنسانية. فقد جرتنا طموحاتنا في البناء إلى التخطيط بتحويل مساحات شاسعة وهامة من أراضينا الجرداء إلى أبراج ومبان لا مثيل لها في العالم، ولكي يتحول التخطيط إلى حقيقة كان لا بد من البحث عن أيد عاملة. وحيث إن بلدنا الصغير لا يحتوي على أيد عاملة كافية للبناء فقد استدعى الأمر إلى استقطاب أيد عاملة أجنبية.
ولتقليل التكلفة أصبحنا نبحث عن الأيدي العاملة الرخيصة حيث وجدت، فاتجهنا أولا إلى دول شرق آسيا، بعدها اتجهنا غربا إلى أفريقيا، لينجزوا على مدار الساعة عمليات الحفر والبناء والتركيب والتشييد والهدم في بعض الأحيان حتى لبعض المناطق الأثرية ليقام في مكانها سكن للعمال. وبدأت كرة الثلج تتضخم وأمست المنشآت في حاجة لمنشآت مساعدة، وعمال البناء في حاجة إلى سكن فلا بد من بناء سكن للعمال، فخلقت شركات تخصصت في بناء سكن العمال.
وهذه بدورها احتاجت إلى عمال وعندما رخص لها وحضر عمالها لبناء مساكن للعمال وجدوا أنهم هم أيضا في حاجة إلى سكن عمال، وهكذا أصبحنا ندور في حلقة مفرغة... ويكفي أن نمر يوما ما بالشارع العابر الممتد من مدينة دبي تجاه مدينة أبوظبي لنلقي نظرة على تلك الفلل المتكاثرة بنفس الوتيرة والعدد والتصميم والتي احتلت مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت يوما ما صحراء جرداء لا تنبت فيها حتى النباتات الصحراوية.
لقد دعا تضاعف أعداد المشاريع في خدمة المشاريع، ووصول مؤسسات من مختلف أنحاء العالم للاستثمار السريع وحاجتها لموظفين بأعداد تفوق أحجامها لتسيير أعمالها، دعا الكثير من الشركات إلى الركض خلف الربح السريع بأي وسيلة كانت مشروعة أو غير مشروعة ضاربة بعرض الحائط كل القوانين المنظمة لاستجلاب واستخدام وإسكان العمال.
وحيث ان بلدنا لا يملك من الإمكانيات للسيطرة على هذا الكم الهائل من العمالة والتحري عن ظروفهم المعيشية فقد استغلت تلك الشركات نقطة الضعف هذه للتعامل مع العمالة التي استقدمتها من الخارج، من حيث سوء المسكن وقلة الطعام وعدم دفع الراتب لشهور طويلة. وملفات المحاكم بالدولة مليئة بمثل هذه القضايا التي لم تحل حتى هذه اللحظة، بعد أن فر وكيل خدماتهم أو كفيلهم وتركهم في العراء، لا هم قادرون على العودة ولا على البقاء.
ولكن فيما يبدو أن معظم هذه المجموعات بدأت تفكر في كيفية حماية نفسها من خلال خلق نوع من التواصل فيما بينها، والخوف أن لا تكون الأمور تطورت مع الوقت بحيث تحولت إلى مجموعات منظمة تتلقى التعليمات من رئيس مفترض لها يأمرها بالتجمع أو الإضراب أو محاصرة المسؤول... إلخ. وإن كان كذلك، فالأمر لابد من دراسته من كل جانب قبل أن تستفحل الأمور وتخرج عن السيطرة.
لذا أصبحت صورة دولة الإمارات في نظر العديد من المنظمات الإنسانية مهزوزة فيما يتعلق بجانب حقوق الإنسان، بينما السبب الحقيقي هو عدم التزام الشركات الأجنبية بمعايير وقوانين العمل في الدولة. ولأن إمكانياتنا غير قادرة حتى الآن على متابعة وتحري كافة أوضاع العمالة في الدولة ـ بسبب قلة العاملين والمتخصصين بالنسبة إلى عدد المشاريع القائمة والتي تقوم كل يوم على أرض الدولة ـ فإننا في النهاية من يتحمل نتائج تصرفات من لا يلتزم بمسؤوليته.
الحلول متعددة وقابلة للتطبيق. ومنها أن يتم تقنين منح التراخيص للشركات الأجنبية. وإذا منحت بعض الشركات تراخيص استثمار في الدولة فعليها تقديم لائحة بأعداد الموظفين والعاملين لديها وتقديم ما يثبت وجود سكن فعلي قائم وملائم ومحتجز لكل فئة بحيث بمجرد وصول العامل يكون مسكنه موفرا وكذلك راتبه وساعات عمله وغيرها من الأمور الإنسانية.
ولا يمنح الترخيص النهائي إلا بعد تقديم عقد الإيجار وما يثبت تسديده للقيمة من خلال حسابات يتولى الإشراف عليها متخصصون في وزارة العمل والاقتصاد وغرف التجارة. بعد ذلك قد لا نجد عشرين عاملا ينامون في مراحيض المساكن المكتظة بالعمال ولا آلاف العمال بدون راتب لمدة شهور طويلة.
أما الحل الآخر فهو عدم منح الرخص لشركات فائضة عن احتياجات السوق. وقد أشرنا في مقالة سابقة لوجود مثل هذه الظاهرة المتدرجة بدءا من الأعمال التجارية الصغيرة إلى الشركات الكبرى والمؤسسات العملاقة.
إن دولتنا رغم انفتاحها في غير حاجة إلى فائض من العمل والعمالة تحت شعار حرية الاقتصاد والمنافسة. إن ذلك قد ينتج عنه تدهور وضع العاملين خاصة عندما تكون الشركات من الخارج. كما أن ذلك سوف يحد من ظاهرة الازدحام المروري. ومن يدري، فقد تخرج لنا بعد يومين منظمة إنسانية تطالب دولة الإمارات بتعويض الآسيويين والأجانب عن الضرر النفسي الناتج عن الازدحام المروري والتأخر عن الدوام الرسمي!
جامعة الإمارات