من حق إيران أن تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، سواء منها بناء قوة عسكرية يعتد بها بما في ذلك تطوير صناعاتها النووية السلمية (وربما العسكرية)، أم قوة اقتصادية ذات تأثير باعتبارها بلداً غنياً بالنفط والغاز والخامات الأخرى، فضلاً عن أسباب التنوع والغنى الاقتصادي، أم قوة بشرية تزيد على سبعين مليوناً، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المميز وعلاقاتها التاريخية مع دول المحيط، وبالتالي فإن طموحها مشروع بأن يكون لها دور إقليمي هام تستحقه.
وتسعى لأن تكون قوة إقليمية (كبرى) كما صرح رئيسها وكثير من قادتها أكثر من مرة، وباختصار فإن هذا كله من حقها الطبيعي والمشروع والذي يفترض أن لا ينكره أحد عليها من حيث المبدأ، سواء أدت هذه المطامح إلى انخفاض مستوى عيش سكانها وفقرهم، أم أغرتها بعدم احترام حوق شعبها أو شرائح من شعبها أو حقوق الإنسان عامة تحت مبرر أولويات الصراع مع (الشيطان الأكبر) أو تحقيق (الأهداف الاستراتيجية الكبرى) أو استسهال اللعب بالأولويات.
وعلى أية حال فإن مناقشة هذه الأمور جميعها تعود لشعوب إيران بالدرجة الأولى ومن حقوقها وحدها أن تقوّمها وتتعامل مع نظامها السياسي في ضوء ذلك، فتلك كلها شؤون داخلية لا يحق للخارج التدخل فيها.
إلا أن حقوق إيران هذه لا تبرر لها تناسي حقوق الآخرين ومصالحهم وخاصة حقوق البلدان العربية المجاورة والبعيدة، فالملاحظ أن ممارسات الجمهورية الإسلامية وسياستها تخطت حدودها لتخترق حدود الآخرين ومصالحهم، وأخذت تسعى جاهدة لتتولى هي نفسها إدارة شؤونهم أو بعض شؤونهم مباشرة أو مداورة أو على الأقل لتتدخل فيها.
فقد دأب عدد من المسؤولين الإيرانيين الكبار (فضلاً عن المحللين السياسيين الإيرانيين) على التصريح منذ مطلع العام الحالي (وخاصة بعد العدوان على غزة) أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية عربية بل قضية إسلامية (أي إيرانية) تحت مبرر أن العرب فشلوا في حلها أو الوصول إلى تسوية عادلة بشأنها مما يعطي الحق (للمسلمين) بأخذها من يد العرب وتولي مواجهة الصهيونية والاحتلال وغير ذلك.
ومن البديهي أن هذا الرأي ظالم للعرب فهم الذين حملوا عبء الصراع مع الحركة الصهيونية منذ تأسيسها قبل أكثر من مئة عام، وخاضوا مع إسرائيل عدة حروب، ودفعوا عشرات آلاف الشهداء وضحوا بتنمية مجتمعاتهم من أجل المواجهة، ومازالت القضية الفلسطينية قضيتهم الرئيسية، وهم أوائل المتأثرين بالصراع مع الصهيونية وإسرائيل إن لم يكونوا الوحيدين في هذا المجال، فكيف إذن يستسيغ أحد سحبها من أيديهم وتهميش دورهم بعد كل هذه التضحيات، خاصة وأن للصراع تأثيرا مباشرا على حاضرهم ومستقبلهم.
من طرف آخر أعطت الجمهورية الإسلامية لنفسها الحق في استمرار احتلال الجزر الإماراتية الثلاث والتصريح أن البحرين أراض إيرانية والحق في التدخل المباشر في شؤون لبنان وشؤون فلسطين، لا تدخل المتضامن أو المساعد أو المتحالف، وإنما تدخل الشريك في قضايا أقل ما يقال فيها أنها شؤون داخلية للبلدين وشأن عربي صرف.
ومن البديهي القول: إنه لا يبرر التدخل الإيراني هذا وجود تدخل أميركي أو أجنبي آخر، لأن خطأ التدخل الأجنبي لا يبرر خطأ آخر بتدخل الجار والصديق، والعرب أولى بتقدير مخاطر هذا التدخل ومقاومته، فتلك ليست مسؤولية إيرانية على أية حال.
لقد تعاونت السياسة الإيرانية مع الشيطان الأكبر (الإدارة الأميركية) وسهلت له ضرب أفغانستان واحتلالها وغزو العراق واحتلاله انسجاماً مع مصالحها، وهذا ما صرح به بفخر عدة مسؤولين إيرانيين كباراً، ثم أعطت لنفسها الحق بتقرير مصير العراق، ودعم فئات فيه ضد فئات أخرى، وتغيير ميزان القوى الداخلي العراقي، والمشاركة في رسم دستور العراق وشكل دولته وهيكليتها، بل ومساعدة بعض الميليشيات العراقية والإيرانية وإطلاق يدها في الاغتيال والتخريب.
وكان ـ ولا يزال ـ لديها طموح في رسم مستقبل العراق وعلاقاته العربية والإقليمية، واعتباره ورقة بيدها تساوم الأميركان عليها، وتضغط من خلالها على دول الخليج العربي وربما تهدد هذه الدول، وتعطي لنفسها الحق بإصدار صكوك تقويم لأنظمة هذه الدول وسياساتها وتحديد مصالحها وغير ذلك.
لقد بالغت السياسة الإيرانية بدورها وبمجالها الحيوي (جغرافياً وسياسياً وأيديولوجياً)، وأعطت لنفسها حقوقاً ليست لها، ووصل الأمر بها إلى إحياء خلافات مذهبية وطائفية كانت مشتعلة قبل مئات السنين ولم يعد لها مكان في عصرنا عصر الدولة الحديثة وعصر العولمة وما بعد العولمة، ونصبت من نفسها وكيلاً وحامياً لبعض الشرائح المذهبية العربية مما يهدد بمخاطر كبيرة على السلم الأهلي العربي والتعايش بين المذاهب في البلدان العربية وغير ذلك.
في الوقت نفسه إنه من المبالغة القول إن (الخطر الإيراني) لا يقل عن الخطر الإسرائيلي، بل من الظلم تبني هذه النظرية، فإيران بلد جار وحليف وبينه وبين العرب تاريخ مشترك وثقافة مشتركة، وينبغي أن يبحث الطرفان الإيراني والعربي عن نقاط الاتفاق لا نقاط الاختلاف والشك والريبة.
ويسعيان لإقامة تحالف بينهما، ولكن هذا لا يبرر تجاهلها المصالح العربية وطموحها لحل مشاكل العرب بدلاً عنهم، فالصداقة والتعاون والتضامن شيء والتهميش والإبعاد عن المسؤوليات الوطنية والقومية شيء آخر.
ومن المفروض أن لا يغتر النظام الإيراني بكبوة عربية هنا أو هناك، فمازال العرب يمتلكون شروط نهضتهم والدفاع عن مصالحهم، ولعله من الخير للجميع أن تتحالف إيران مع الدول العربية ومع دول إسلامية أخرى، وتتعامل معها معاملة الند للند وأن لا تعمل لوراثتها، فمازال الورثة الشرعيون أحياء يرزقون.