احتفلت دول اتحاد المغرب العربي الخمس يوم 17 فبراير الحالي بالذكرى العشرين لتأسيسه، واقتصر الاحتفال على رسالة بعثها العاهل المغربي محمد السادس إلى قادة الدول الأعضاء في الاتحاد عبّر فيها عن أمله في أن تتجاوز الدول المغاربية «الصعوبات الظّرفية والموضوعية» التي تعوق معاودة تفعيل الاتحاد المغاربي، وقال انه لا بديل عن هذا الخيار الاستراتيجي لتحقيق تطلعات شعوب المنطقة «في ظل الإخاء والثقة والتفاهم وحسن الجوار واحترام الخصوصيات والثوابت الوطنية لبلداننا».
ودعا إلى المساءلة عما تحقق للشعوب المغاربية من مكاسب على درب التنمية والتكامل والاندماج الاقتصادي والاجتماعي. مبدياً حرصه الشديد على «مواصلة العمل مع أشقائنا قادة الدول المغاربية بروح مغاربية خالصة وعزيمة صادقة لتفعيل مؤسسات وهياكل الاتحاد».
ولكن الذي أحبط المراقبين المعنيين بالشأن المغاربي هو أن المناسبة مرت من دون ظهور بوادر انطلاقة جديدة للاتحاد الذي يكاد حضوره يقتصر على الاجتماعات الدورية التي تنعقد بين عواصم الشمال الإفريقي ونظيراتها الأوروبية ضمن ما يعرف بمجموعة 5+5 التي تركّز على الأبعاد الأمنية والتحديات التي تشغل البلدان الأوروبية.
وعلى الأخص المواقف من تنامي الهجرة غير الشرعية والإرهاب، فيما تواجه العلاقات بين الشركاء في الاتحاد المغاربي وهم المغرب وموريتانيا وتونس والجزائر وليبيا أزمات حقيقية، فبالإضافة إلى الخلافات العالقة بين المغرب والجزائر بسبب تباين مواقفها من قضية الصحراء وإشكالات سياسية واقتصادية، لم يستقر الموقف المغاربي عند خلاصات موحدة إزاء التعاطي والانقلاب الأخير في موريتانيا الذي زاد بدوره في تباعد الهوة بين العواصم المغاربية.
وبمناسبة الحديث عن الذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد فإن من ابرز الأسئلة التي طرحها المراقبون تعلقت بما إذا كان من الممكن إحياء هذا الاتحاد أم انه سيظل مجمدا على خلفية العلاقات المتوترة بين معظم الدول الأعضاء فيه.
والحاصل أن تأسيس الاتحاد كان في فترة استثنائية في مسار العلاقات البينية بين دول المغرب العربي، حيث ان الاتحاد المغاربي تأسس على خلفية انفراج عرفته العلاقات المغربية - الجزائرية، كان من أبرز نتائجه تمديد العمل بمعاهدة ترسيم الحدود وحسن الجوار، إضافة إلى اختيار الملك الراحل الحسن الثاني الاجتماع علناً إلى قياديين في «بوليساريو»، ما أفسح في المجال أمام تطبيع شبه كامل لعلاقات البلدين.
وبرحيل الحسن الثاني برزت معطيات جديدة في مقدمها تولي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مقاليد الحكم بالتزامن مع وصول قيادة جديدة في المغرب في شخص العاهل المغربي الملك محمد السادس، وساد اعتقاد بأن القائدين سينزعان إلى تحسين علاقاتهما عبر التخلص من تركة الملفات الثقيلة التي ورثاها. غير أن اللقاءات المحدودة التي جمعت بين الزعيمين الجديدين لم تحدث الاختراق المطلوب في العلاقات.
وبدا أن اجتماع القمة التي جمعهما في الجزائر وانبثقت عنه آمال كبيرة كان مصيرها الفشل، وتبادل البلدان بعد ذلك اتهامات اتسمت بالشدة. ووفقا لتطورات منطقة المغرب العربي فانه ليس من المتوقع أن تشهد دول الاتحاد المغاربي أجواء مشابهة لتلك التي تأسس فيها الاتحاد الأمر الذي يعنى أن احتمالات إحيائه تكاد تكون منعدمة.
ولكن على الرغم من ذلك فانه على المهتمين بالشأن المغاربي ألا يقنطوا من محاولات الإحياء لأن هناك أملا وحيدا امامهم يمكن أن يساهم في لعب دور في عملية الإحياء وهذا الآمل هو الدور الخارجي، ذلك أن الاتحاد الأوروبي المنخرط مع الدول المغاربية في أكثر من صيغة للتعاون منها الحوار الأورومتوسطي.
وتجمع 5+5 وغيرها، وللاتحاد الأوروبي مصالح أساسية من سير هذه التجمعات إلى الأمام على صعيد تحقيق التكامل الاقتصادي، وفى نفس الوقت فان معظم الدول المغاربية تعتقد أن هناك مصالح اقتصادية كبرى يمكن أن تحققها من المضي قدما في المشروعات المشتركة بينها وبين أوروبا، وهو الأمر الذي سيدفعها دفعا إلى الضغط على كل من المغرب والجزائر من أجل إزالة الخلافات فيما بينها، حتى يتم إحياء الاتحاد المغاربي الذي يحقق لها بالتبعية ميزة إحياء المسارات المختلفة للحوار والتعاون بينها وبين أوروبا الموحدة.
إضافة إلى ذلك فإن بعض الدول أعضاء الاتحاد تعتقد انه يمكنها أن تحقق استفادات من تحقيق التكامل الاقتصادي بينها وبين دول الاتحاد المغاربي، لأنها عن طريق ذلك سوف تستفيد من الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فضلا عن ذلك فإن هذه الدول ترى أن موقفها في التفاوض مع أوروبا حول العديد من القضايا السياسية والاقتصادية بل والأمنية سوف يكون أفضل في حال ما إذا كانت تتفاوض وهي تعبر عن موقف جماعي مغاربي عنه إذا ما كانت تتفاوض فرادى للتوصل إلى اتفاقيات ثنائية.
وبالتالي فإن الأمل في إحياء الاتحاد يعتمد على محورين من الضغوط على كل من المغرب والجزائر من أجل إزالة التوتر في العلاقات بينهما، والتوصل إلى صيغة مرضية لحل الأزمة الصحراوية، لأن هذا الأمر سيؤدي إلى إحياء الاتحاد المغاربي، الأمر الذي يسهل المضي قدما في العلاقات مع أوروبا على أكثر من صعيد. يضاف إلى ذلك أن القضايا الأمنية هي من الأسباب الأساسية التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن التعاون مع الدول المغاربية.
والاتحاد سوف يضغط على كل من المغرب والجزائر من أجل إزالة الخلافات وتطبيع العلاقات حتى يمكن إجراء المباحثات الخاصة بهذه القضايا الأمنية، وإزالة هذه الخلافات هي الشرط الأساسي لإحياء الاتحاد المغاربي، ونعتقد أن الظروف وإن كانت تبدو غير مهيأة لإحياء الاتحاد وتفعيله، ولكن في النهاية فان الجانب العملي البرجماتي سيلعب دوره بما يؤدي في النهاية إلى إحياء الاتحاد وان كان ذلك سيتطلب فترة من الوقت ليست بالقصيرة.
كاتب مصري
