من الواضح حتى الآن أن الحكمة الأفريقية تفوقت على الدهاء الغربي. فالحكمة الأفريقية تقول: «أصلح سور بيت جارك قبل سور حديقة بيتك». أما الحكمة الغربية فتقول: «كي تنجح في السياسة، فمن الضروري أن تدوس على مبادئك».
ومع أن باراك أوباما ليس أفريقيا مائة بالمائة ولا غربيا مائة بالمائة، وما يخفي في قلبه أعظم، إلا أنه اختار أن يعمل بحكمة أسلافه في اختيار الحكمة الأفريقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة واقتصاد وجيش بلده. وفي واقع الأمر وربما لاحظ الجميع بأنه لم يعد اليوم من أحد يأتي بسيرة القوة العظمى والدولة الأعظم وإنما عن دولة حالها كحال أي دولة أخرى على وجه البسيطة تتخبط في مشاكلها ولا تجد لها حلا. وبالتالي، صعد أوباما إلى البيت الأبيض على أكوام مخلفات بوش السوداء.
وعلى نمط الوزراء الجدد في بلادنا عند تعيينهم لأول مرة، يبدأون أول يوم عمل لهم في وزارتهم الجديدة بالمرور على مكاتب الموظفين الصغار والكبار حتى على عمال الكلينكو لتوطيد علاقتهم بهم، كذلك قرر أوباما العمل بحكمة أجداده السابقة والقيام بأول جولة تفقدية إلى أسوار جيرانه.
وبالطبع كعادة الرؤساء الأميركيين (باستثناء بوش الذي اختار المكسيك! حتى هو لا يعرف لماذا خالف من سبقوه إلا للعمل بالمثل القائل خالف تعرف) وضع أوباما حذاء قدمه اليمنى على أرض كندا. واستقبل هناك استقبالا حارا خاصة بعد أن تنفس العالم الصعداء من أن نهاية ولاية بوش انتهت بدون كوارث عالمية شاملة كما بدأها بكوارث دولية محدودة.
فالبعض خاصة في الدول المجاورة للولايات المتحدة ومنها كندا والمكسيك واليابان كانت تخشى أن يقرر بوش قبل آخر يوم في ولايته ضرب روسيا بقنبلة ذرية من العيار الثقيل أو إعطاء الأوامر بتفجير كافة القنابل النووية المخزنة على أراضي الولايات المتحدة! وقتها سنصبح جميعا مجرد ذرات نووية تطير في الفضاء الكوني وبذلك تتحقق نبوءات المشعوذين في نهاية عام 2007 بأن القيامة ستقوم فجرا في التاسع عشر من يناير عام 2009 وفق حساباتهم النجومية الخاصة. ولم يتحقق من هذا الأمر شيء.
المهم أن الرئيس الأميركي زار كندا ليبدأ عهدا جديدا نظيفا ساخنا كما يقال، بدءا بتفحص أسوار جيرانه. وكما يحلو لنا دائما أن نقرأ في أخبار زيارات رؤساء الدول المتحضرة بأنهم لا يذهبون للاستجمام لشهور طويلة أو لعقد صفقات شراء غير ذات عائد، وإنما للتبادل التجاري، فقد كانت الخطوط الرئيسية لترجمة سياسة أوباما الخارجية والداخلية هي عقد بعض الصفقات الأساسية لإعادة بناء الاقتصاد الأميركي مع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة الأميركية، حيث تستحوذ هذه الأخيرة على ما نسبته 75% من صادرات كندا.
وكانت كندا تترقب بقلق هذه الزيارة لمناقشة السياسة الاقتصادية الجديدة لباراك أوباما الذي بدأ يروج لشعار (اشتروا ما صنع في أميركا)، وإذا ما كان ذلك يفسر على أنه عهد جديد من الحماية التجارية الأميركية والتي ستدفع كندا ثمنه غاليا؟ فالتبادل التجاري بين البلدين لا يقاس بلغة السنة، وإنما بلغة اليوم، حيث تبلغ قيمة التبادل التجاري بينهما 5. 1 مليار دولار في اليوم الواحد!
كما أن دعوة أوباما لاستخدام الطاقة النظيفة والابتعاد عن شراء النفط القذر للتقليل من انبعاث الغازات السامة المؤدية إلى ما يطلق عليه الاحتباس الحراري، قد يعني الاستغناء عن النفط الكندي. إن العلاقات الأميركية الكندية كثيرا ما تأزمت بسبب المسائل الاقتصادية، ذلك لأن العلاقات بينهما تمتد لأكثر من قرنين من الزمان.
ثم أن الولايات المتحدة تفوق كندا بعشرات المرات من حيث السكان والثروات، ما قد يترتب عليه نوع من الهيمنة الطبيعية والتلقائية على جارتها. وقد شعر الزعماء الأميركيون بهذا التخوف والقلق، وحاولوا بشتى الطرق خلق نوع من التوازن النفسي لديها. وزيارة أوباما تسير في هذا النهج. فهو يرى (من وجهة نظر حكمته الأفريقية الشرقية) أن الجار قبل الدار، وأن تحسين العلاقات مع العالم الخارجي يجب أن تبدأ أولا من طمأنة الجار الجغرافي.
وباراك أوباما يعلم جيدا بأن كندا ستلعب معها في المستقبل دورا أكبر وأكثر نفعا من تلاعب أوروبا التي ما أن انحسرت هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم حتى بدأت تتنفس الصعداء وسارعت في عقد الصفقات تلو الصفقات التجارية والعسكرية والثقافية مع دول كانت الولايات المتحدة المغدورة في ظهرها تعدها قبل سنوات قليلة من ضمن مستعمراتها الاستراتيجية المخلصة في المنطقة، على يد أعز حلفائها، وبما يشبه إلى حد كبير خيانة عش الزوجية أثناء مرض الزوج.
وكما يقول المثل الكيني القديم: (يا بارك خليك اذن على جارك)... فإن باراك أوباما فعل خيرا باختياره كندا لتكون أول محطة يزورها منذ توليه الرئاسة. وأكد بالتالي على ما قاله الرئيس جون ف. كندي يوما ما عن كندا: «الجغرافيا جعلت منا جيرانا. التاريخ جعل منا أصدقاء. الاقتصاد جعل منا شركاء.
والحاجة جعلت منا حلفاء. فبعدا لمن يريد تفرقة من جمعتهم الطبيعة»! ومن الجانب الآخر، فإن كندا بمناخها البارد والمظلم طوال السنة وبعدها عن العالم وشعورها بالوحدة في أقصى الكرة الأرضية ستقبل طائعة بتوبة زوجها القديم العائد منهكا من مغامراته الفاشلة في أفغانستان والعراق والصومال!
