يعتبر موضوع الديمقراطية في العالم العربي من الموضوعات التي يشوبها الكثير من السخرية والتفاهة، وذلك لفساد الآلية العربية الانتخابية ولتفاهة النتائج المتوقعة والمحسومة مسبقاً، فأصبح وجود ديمقراطية عربية حقيقية ونزيهة يصنف ضمن المستحيلات الأربع على الأقل ضمن الذاكرة الشعبية للأجيال الحالية.

عاشت الديمقراطية العربية أوج زخمها في عهد إدارة بوش خاصة في الفترة الأولى من ولاية عهده وجاءت أحداث سبتمبر لتؤكد هذا التوجه، وشنت الولايات المتحدة حربي أفغانستان والعراق بدعوى نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

كما قامت واشنطن في تلك الفترة بإنشاء (المجلس القومي للديمقراطية) كمؤشر على رغبة أميركية حقيقية في نشر الديمقراطية في المنطقة، فضلاً عن تصاعد الانتقادات الأمريكية في أعقاب أحداث سبتمبر لملفي الديمقراطية وحقوق الإنسان في دول الشرق الأوسط، فكنا نشهد تصريحات وزيارات مكوكية لمسؤولين أميركان وكان هناك تحرك دولي قوي تقوده الولايات المتحدة في هذا الإطار.

طبعاً تنوعت التفسيرات والمبررات التي تناولت أسباب قيام الإدارة الأمريكية بتبني اتجاه نشر الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي حيث رأى البعض أن أميركا تسعى لنشر الديمقراطية للقضاء على بؤر الفقر والفساد والبطالة التي كانت السبب الرئيسي وراء تفريخ الجماعات الإرهابية بينما رأى آخرون أن ذلك يأتي لرغبة واشنطن في الإطاحة بأنظمة المنطقة وفرض نظم جديدة أكثر ليبرالية في المنطقة.

ولكن لا يمكن إنكار حقيقة مهمة أن طموحات أميركا في نشر الديمقراطية كانت تتسق بشكل كبير مع مصالحها الإستراتيجية ولكن هذا لا يمنع من استفادة شعوب المنطقة من نوافذ الحرية التي سمحت الولايات المتحدة الأمريكية بفتحها. ولكن جاء صعود الإسلاميين بشكل واضح وبارز في المنطقة في معظم الدول التي سمحت بقيام انتخابات حرة فيها وذلك تحت إشراف دولي وضغط أميركي.

كما حدث في مصر عندما فاز الإخوان المسلمون للمرة الأولى في تاريخهم ب88 مقعدا في مجلس الشعب وفازت حماس بالانتخابات التشريعية في عام 2006 فضلاً عن صعود القوى الإسلامية في المغرب العربي وعدد آخر من الدول العربية، أدى هذا الزخم الشعبي الإسلامي ليدفع الإدارة الأمريكية للتراجع عن نشر الديمقراطية في المنطقة بشكل مؤقت وإن بدأت تتلاشى الطموحات الأمريكية في نشر الديمقراطية في الفترة الأخيرة من عهد بوش.

السؤال الذي يطرح نفسه في فترة عهد أوباما هل ستعيد الولايات المتحدة فتح ملف الديمقراطية مرة أخرى، وما هي الوسيلة التي ستستخدمها في الترويج لهذا الموضوع؟ في الواقع انقسمت آراء المحللين والخبراء إلى قسمين.

فالبعض يستبعد أن يحتل مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أي موقع متقدم في أجندة الرئيس أوباما ويتوقع هذا الفريق أن الأمور ستعود إلى نصابها الذي كانت عليه فوق السطح حيث تقوم العلاقات والتبادلات والتفاعلات السياسية على المصالح البحتة القائمة على الاعتراف والاحترام للوضع القائم أياً ما كان، وتحت السطح تواصل طبائع الاستبداد العربية اشتغالها التقليدي بمصادرة الثروات وقمع الحريات.

فالإدارة الأمريكية في رأي هذا الفريق ستحاول الابتعاد عن كل الأفكار والسياسات التي ارتبطت بحقبة جورج بوش سيئة الصيت بالإضافة إلى أنها ستتسلم أجندة مثقلة بالقضايا الملحة كملف العراق وأفغانستان والقضية الفلسطينية أكثر أولوية وأهمية عن موضوع الدمقرطة.

وقد جاءت مقولات أوباما في خطاب التنصيب وفي المقابلة التي منحها لمحطة العربية لتؤكد على أهمية ما ذهب إليه هذا الفريق فأوباما قال انه يريد أن يعود إلى نفس الاحترام والشراكة التي كانت لأمريكا مع العالم المسلم قبل عشرين أو ثلاثين سنة. ولكن هذا لا يعني أن الإدارة الأمريكية لن تواصل نشر الديمقراطية فهي ستواصل وإن كانت بطريقة شفهية وناعمة أكثر عن الإدارة السابقة فالولايات المتحدة الأمريكية حريصة أن تحتفظ بموقعها كرائدة العالم الحر.

إدارة أميركية راحت وتلاشت معها حلم الكثير من الليبراليين العرب الذين تأملوا كثيراً في نشر الديمقراطية في العالم العربي على يد الأمريكان ولكن ذهبت أحلامهم أدراج الرياح وفريق آخر يتأمل وينتظر من إدارة أوباما مواصلة البرامج الإصلاحية يتنبأ ويتوقع ويخمن ماذا ستحمل هذه الإدارة في جعبتها بالنسبة لهذا الموضوع، إدارات تروح وإدارات تأتي والشعوب العربية تتمنى أدنى وأقل وأبسط مقومات الحياة الكريمة.

فالديمقراطية العربية يعني أولاً أن تنتشل الشعوب من المجاعات والفقر ومن العيش بين ركام النفايات وما بين أتربة المقابر، الديمقراطية العربية يعني أن توفر فرص التعليم والعمل لآلاف الشباب العربي العاطل والباطل عن العمل، الديمقراطية العربية تعنى أن تكف الحكومات عن استخدام قوانين الطوارئ التي كبلت العالم العربي ولازالت تكبله بقيود الخوف والذعر، الديمقراطية العربية تعني أن تسمح للكلمة والكلمة الأخرى بأن تكتب وتقال دون مصادرة رأي أو معاقبة صحافي أو سجنه.

الديمقراطية العربية تعني أن تمسح بانتخابات برلمانية حرة ووصول برلمانيين يحملون هموم وقضايا شعوبهم يقارعون الحكومات لا يستكينون إليها، الديمقراطية العربية تعني الكثير وتحتاج إلى فك الطلاسم والعقد والشعوب العربية تنظر إلى الآخر ماذا يمكن أن يفعل لها في هذا المجال لأنه بصراحة نقولها بدون الآخر لا يمكن أن نحرز أي تقدم في هذا المجال.