عنوان هذا المقال هو أيضاً عنوان كتاب تعرضت له في الأسبوع الماضي، مع تعديل طفيف. فالكتاب اسمه «إعادة تشكيل المجتمع في صورة ماكدونالدز» (Mcdonaldization of Society). ولكنى تعمدت أن أقول «تشكيل العالم» بدلاً من تشكيل المجتمع، لأن هذا هو ما يبدو وكأنه يحدث بالفعل. فماكدونالدز أصبح موجوداً في 118 دولة، ويزوره كل يوم 50 مليون شخص.

هذا ما ذكرته في المقال السابق عما كان عليه ماكدونالدز في سنة 2007، ولعل عدد الزبائن الآن أكبر، وكذلك عدد الدول. قلت أيضاً ان المؤلف (جورج ريتزر George Ritzer) ذكر أن السمات الأساسية لمحلات ماكدونالدز تتلخص في أربع سمات: الكفاءة، وإمكانية القياس، وإمكانية التنبؤ، وخضوع الزبائن والعمال لدرجة عالية من السيطرة. ولكن المؤلف يقول أيضاً «إن هذه السمات تنتشر أيضاً، انتشار النار في الهشيم، في مجال بعد آخر من مجالات حياتنا اليومية.

فهي تطبق بدرجة متزايدة في محلات السوبر ماركت، وفى وسائل الاتصال، كالتليفونات وشبكة الانترنت، وفى السفر بالطائرات، وفى السياحة، بل وفى المدارس والجامعات والمستشفيات.. الخ، وهذا هو ما جعل المؤلف يسمي كتابه بهذا الاسم، أي أن المجتمع (بل والعالم) يتحول أكثر فأكثر إلى «ماكدونالدز كبير»، أو إلى مجموعة من «الماكدونالدات»، تطبق نفس القواعد، ولكن في مجالات مختلفة من مجالات الحياة.

هذا الانتشار، أو هذا التحول، قد يبدو للبعض وكأن لا ضرر منه ولا غضاضة فيه، فالحياة في ظله تصبح أسهل وأسرع، تتم فيها المعاملات طبقاً للتوقعات بالضبط، ولا يخرج فيها أحد عن الطريق المرسوم، وهو الطريق الأكثر كفاءة. فما الذي نريده أكثر من ذلك؟

ولكن الأمر أخطر من ذلك في نظر المؤلف، وكذلك في نظري، ولكن فلنؤجل الحديث قليلاً عما في هذا الأمر من خطورة، ولنحاول أولاً أن نكتشف كيف تنتشر ظاهرة ماكدونالدز بالفعل من مجال لآخر من مجالات حياتنا اليومية.

أنظر أولاً إلى محلات السوبر ماركت، أي محلات البقالة التي تقوم فيها بخدمة نفسك، بأن تتسلم أولاً عربة صغيرة (أو تروللى)، فتطوف برفوف السلع متعددة الأصناف والألوان فتلتقط منها ما تملأ به عربتك. هنا أيضاً كفاءة عالية (تظهر في السرعة والسهولة)، وكل شيء تقريباً خاضع للقياس: الحجم والوزن والسعر، وكلها محددة ومعلنة.

وكل توقعات المستهلك تتحقق بالفعل، فليس هناك سلعة غائبة أو ناقصة، والمدة التي توقع أن يستغرقها لإنهاء مهمته، تتحقق بالفعل بلا زيادة أو نقصان. ولكن يلاحظ أيضاً أن المستهلك أصبح هو الذي يقوم بخدمة نفسه وليس هناك من يمكن أن يساعده أو حتى أن يجيب عن أسئلته.

هذه السمات نفسها تجدها في خدمة التليفون الحديث: كفاءة أكبر، وحساب أدق، ونفقة معروفة سلفاً، وخضوع أكثر: إذ يتلقى المستهلك أوامر عبر الرسائل المسجلة بأن يضغط على هذا الزرّ أو ذاك، وكثيراً ما يجد نفسه يكلم آلة صماء بدلاً من أن يكلم إنساناً من لحم ودم.

في التلفزيون الحديث تجد أيضاً كفاءة أكبر، حتى أصبح من الممكن أن تسمع المذيع وهو يقرأ خبراً من الأخبار بينما ترى بعينيك خبراً آخر يمر أمامك في شريط، دون أية علاقة بين هذا الخبر وذاك. وفى الخطابات البريدية أصبح في استطاعتك أن ترسل لصديق أو قريب لك خطاباً للتهنئة أو المعايدة فلا تفعل أكثر من أن تضع توقيعك على بطاقة عليها صورة جميلة، وكتبت عليها عبارة التهنئة أو المعايدة. فما أسهل المهمة، وما أقدرك الآن على إرسال عدد كبير من الخطابات في دقائق معدودة، إذ لم تعد مطالباً حتى بالتفكير في العبارة التي سوف ترسلها لصديقك أو قريبك.

في الجامعات أصبح من الممكن الآن أن تحصل على مقررات دراسية مركّزة لا تستغرق شهوراً بل أسابيع، أو حتى أياماً، ويمكنك الاستماع إلى محاضرة من أستاذ كبير في بلد بعيد عن طريق جهاز الفيديو، كما يمكنك أن تعرف مجموع درجاتك في أي لحظة، فكل شيء مسجل في ذاكرة الحاسب الآلي. ولكن مصيرك (إذا كنت طالباً) لا يخضع لرأي أستاذ أو عدد من الأساتذة بل يخضع لحاصل عملية جمع وطرح وقسمة أرقام لا يمكن مناقشتها.

كذلك في الطب والعلاج، يختفي شيئاً فشيئاً رأى الطبيب الشخصي ويصبح القرار الحاسم هو ما تقوله نتائج التحليل وصور الأشعة، ولم يعد هناك مجال واسع للتخمين أو الربط بين ظاهرة مرضية وأخرى، أو بين ماضي المريض وحاضره، أو بين حالته النفسية وحالته البدنية. كل شيء في الطب يبدو الآن قابلاً للحساب والتنبؤ، وأصبح المريض يعامل أكثر فأكثر كوحدة من وحدات سلعة ما، يمرّ أمام الأطباء كما تمرّ أجزاء السلعة أمام العمال على خط التجميع.

ما هي طبيعة العوامل الكامنة وراء هذه الظواهر التي تلخصها كلها ظاهرة الماكدونالدز، فقضت، أو كادت تقضي على أي علاقة إنسانية يمكن أن تنشأ بين متلقي الخدمة وبين من يقوم بتقديمها؟ هل هي زيادة درجة الميكنة، وأن الآلة أصبحت الآن موجودة بقوة في ميدان الاستهلاك كما كانت في ميدان الإنتاج، ومن ثم أصبحت تتحكم في المستهلك كما كانت تتحكم في العامل؟

ربما كان هذا هو تفسير ظاهرة الماكدونالدز: زيادة درجة الميكنة التي سمح بها (بل وفرضها) ازدياد حجم الطلب ولكن ما هو تفسير جاذبيتها؟ لماذا تنتشر هذه الظاهرة كل هذا الانتشار، وبهذه السرعة؟ هل سر جاذبيتها هو نوازع في الإنسان تجعله يقدّر الكفاءة والسرعة، ويميل إلى الشيء اليقيني والمحسوب بدقة، حتى ولو اقترن ببعض القهر؟

صحيح أن في الإنسان نوازع أخرى، تعمل في عكس هذا الاتجاه بالضبط، فتجعله يفضل أحياناً غير المتوقع وغير المحسوب، وكذلك تجعله أحياناً يفضل البطء على السرعة، والتأني بدلاً من الهرولة، والاتصال الإنساني بدلاً من التعامل مع الآلة، حتى ولو اقترن هذا بكفاءة أقل. ولكن هل الحقيقة هي أن معظم الناس يفضلون النوع الأول من التعامل على النوع الثاني؟ وأن جاذبية السرعة والكفاءة والدقة والقدرة على التنبؤ كبيرة لدرجة تجعل الإنسان مستعداً من أجلها للتضحية بجزء من حريته بل وحتى من إنسانيته؟.