أطلقت إيران أول قمر اصطناعي إلى الفضاء الخارجي بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيس الجمهورية الإسلامية في إشارة إلى مدى التقدم التقني الذي حققته في عهدها الجديد من جهة، وخطوة استباقية لبدء مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما من جهة أخرى. وقد ضاعف هذا الحدث من مخاوف الدول الغربية والولايات المتحدة من التوجه الإيراني لامتلاك تكنولوجيا الصواريخ التي تتجاوز دول الجوار في مداها لتصل إلى أهداف بعيدة في القارة الأوروبية.
توقع بعض المراقبين أن لا تباشر الإدارة الأميركية الجديدة بفتح الملف الإيراني إلا بعد الانتخابات الإيرانية في يونيو المقبل انتظاراً لرئيس إيراني جديد قد يكون أقل رغبة في خوض مواجهة محفوفة بالمخاطر مع الولايات المتحدة.
إلا أن مسلسل الأحداث يشير إلى غير ذلك، فالملف الإيراني في تشابكات شائكة مع ملفات أخرى تقلق الولايات المتحدة على مدار الساعة ولا سبيل لمقاربتها دون أن تفتح هذا الملف. فعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية الجديدة غارقة في أشد ما يقلقها، وهو الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تطوق عنقها وتجبرها على الانكفاء نحو الداخل، إلا أنها تجد نفسها مرغمة على مواجهة التزاماتها، لأن هذه الالتزامات هي جزء من هذه الأزمة.
لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهل أهمية إيران في إنجاح مشاريعها في المنطقة فهي بحاجة إلى تعاونها لضمان استقرار الوضع في العراق وتأمين انسحاب سريع ومسؤول لقواتها إيفاءً بالتزام الرئيس الجديد بالوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية.
كما أنها بحاجة إلى التنسيق مع طهران بشأن الوضع في أفغانستان التي أصبحت أكبر بؤر الصراع في المنطقة وأكثرها خطورة. وهذا ما عكسه التصريح الذي أدلى به ريتشارد هولبروك المبعوث الخاص للإدارة الأميركية إلى جنوب شرق آسيا ونشرته صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في الخامس عشر من فبراير الجاري.
كما أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيون لا يخفون قلقهم من استمرار العلاقات المتأزمة مع طهران في التردي، وما قد يجره ذلك من تداعيات في منطقة الشرق الأوسط تلحق الضرر البالغ بأسواق النفط العالمية. ولا يخفى على أحد القلق الذي تبديه الولايات المتحدة حول اعتماد حلفاءها الإستراتيجيين، دول أوروبا الغربية، على الغاز الروسي خاصة وأن روسيا قد بدأت بالظهور من جديد على المسرح العالمي كقوة عالمية تنافس الولايات المتحدة على نفوذها في مناطق عديدة من العالم.
فالبديل الوحيد العملي هو تنويع مصادر الطاقة التي تحتاج إليها هذه الدول، وهنا يصبح دور إيران مهما للغاية لامتلاكها احتياطيا غزيرا من الغاز وقربها من أوروبا كذلك. إلا أنه ومن ناحية أخرى فإن العلاقات الأميركية الإيرانية في جمود شبه تام منذ الثورة الإسلامية قبل ثلاث عقود، وقد ازدادت سوءاً في السنوات الأخيرة حين بدأت طهران توسع من نفوذها في المنطقة وتدعم منظمات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية وخطراً يهدد حليفتها إسرائيل، وحين بدأت بتوسيع نشاطاتها المعادية للولايات المتحدة في مناطق عديدة من العالم وضمنها دول القارة اللاتينية.
ومع خطورة هذه الخلافات إلا أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين ينظرون بقلق أكبر إلى برامج إيران الطموحة لتصبح قوة أولى في المنطقة تنتزع بعضاً من نفوذهم وترسي قواعد تغيرات جيو - سياسية جديدة. وفي هذا السياق يشكل سعي طهران لامتلاك الصواريخ بعيدة المدى، ومنها الصاروخ الذي حمل القمر الاصطناعي الإيراني إلى الفضاء الخارجي، والبرنامج النووي المثير للجدل، أكبر مصادر القلق.
على الرغم من أنه لم يمر سوى عام واحد على التقرير الذي أصدره المجلس الوطني للمخابرات الأميركية، الذي يضم ستة عشر وكالة مخابرات، في نوفمبر من عام 2007 والذي ورد فيه أن إيران قد أوقفت نشاطها المتعلق بصناعة سلاح نووي، لم تتردد إدارة الرئيس الجديد أوباما في تأكيد عكس ذلك.
ففي إفادته أمام الكونغرس ذكر ليون بانيتا، المرشح لتولي منصب إدارة وكالة المخابرات المركزية الأميركية، بأن إيران تسعى للحصول على السلاح النووي وفق ما نشرته صحيفة لوس أنجلس تايمز في عددها الصادر في الثاني عشر من فبراير الجاري. الولايات المتحدة تقر من جهة بحاجتها إلى تفاهمات مع طهران وتعلن في الوقت نفسه بأن نوايا طهران الحقيقية تتعارض مع مصالحها وإستراتيجياتها في المنطقة.
إنها معادلة صعبة الحل وقد تزايدت صعوبتها في الفترة الأخيرة حين واجهت الولايات المتحدة، والعالم أجمع، أسوأ أزمة اقتصادية منذ ما يقرب من ثمانين عاماً تركت أمامها خيارات محدودة، من جانب، وليس الكثير من الوقت لمعالجتها، قبل فوات الأوان، من جانب آخر.
ولكن إيران ليست هي الأخرى في موقع قوة تطمئن إليه، فالأزمة الاقتصادية العالمية قد أصابتها في الصميم حين انهارت أسعار النفط الذي يشكل مردوده حجر الزاوية في اقتصادها المنهك، و تراجع النفوذ الذي امتلكته في العراق منذ سقوط النظام السابق كما أفادت نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت مؤخراً في العراق. كما أن دورها في المنطقة قد يبدأ بالانحسار مع الدخول التركي النشط في التنسيق مع الدول العربية المعتدلة لمواجهة أبرز مشكلاتها.
الولايات المتحدة بحاجة لرسم سياسة شاملة إزاء طهران قبل البدء بحوار معها من السهل جداً التنبؤ بمصيره، فإيران سوف تقول بكل بساطة «كلا» لأية مقاربة تستهدف حقها في الحصول على التقنية النووية وتعمل على تحييد برنامجها النووي، هذا في الوقت الذي ترى الولايات المتحدة وحلفاءها في البرنامج النووي الإيراني خطاً أحمر لا يجوز عبوره.
من المستبعد جداً أن تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام القوة مع إيران رغم أنها ستشهد في المرحلة القادمة ضغوطاً شديدة للقيام بذلك إثر صعود اليمين الإسرائيلي إلى سدة الحكم. كما أن من المستبعد أن تستطيع إخراج الموقف من جموده دون الاستعانة بقوى دولية هامة خذلتها، في المراحل السابقة، ومنعتها من فرض عقوبات قاسية ومجدية على إيران.
فالولايات المتحدة بحاجة إلى إبداء المزيد من حسن النوايا إزاء كل من روسيا والصين على المحاور التي تمس أمن هاتين الدولتين الكبيرتين، ولن يتم ذلك ما لم تعد الولايات المتحدة النظر في نشر الدرع الصاروخية في كل من بولندا وجمهورية التشيك تطميناً لروسيا، والتوقف عن إمداد تايوان بصفقات الأسلحة المتطورة التي تقلق الصين.