من الواضح أن الأركان الرئيسية للإدارة الأميركية كان قد تم الاتفاق عليها قبل تنصيب الرئيس أوباما في 20 يناير عام 2009. ورغم هذا فإن الرؤية مازالت غير واضحة حول أداء هذه الإدارة الجديدة واستراتيجياتها، وخاصة في مواجهة الأزمة المالية، حيث نسمع كل يوم تصريحات متضاربة وكلها في جملتها متشائمة.

ومع ذلك من الممكن حاليا محاولة تقييم آفاق عملئ الآلة العسكرية والاستخباراتية الأميركية، انطلاقاً من الشخصيات التي عينت في مناصب قادة هذه المؤسسات. فقد احتفظ بمنصب وزير الدفاع روبرت غيتس، الذي ورثه أوباما من سلفه جورج بوش. وغير معروفة حاليا فترة بقاء غيتس في هذا المنصب، إلا أن احتفاظه به يدل على اتفاق أوباما مع المبادئ التي كانت القوات المسلحة الأميركية تعمل بموجبها.

وعين في منصب مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي الجنرال جيمس جونس، الذي سبق أن شغل منصب قائد فيلق مشاة البحرية الأميركية، وقائد القوات الأميركية في أوروبا وقائد قوات الناتو الموحدة. ويشتهر جونس بأنه من أنصار بسط الناتو نفوذه على العالم، مما يدل بالتوافق مع أفكار غيتس، على أن الولايات المتحدة لا تنوي تقليص نشاطها العسكري الخارجي.

رغم أنه بوسع الأزمة الاقتصادية العالمية إرغام الولايات المتحدة على تقليص نفقاتها العسكرية بصورة ملموسة، وهذا أمر متوقع، لكنه لا يعني التركيز على الاقتصاد بل ستنشط جهات أخرى أمنية تخدم الإستراتيجية التوسعية الأميركية على الساحة الدولية، وخاصة أجهزة الاستخبارات.

قد تكون الولايات المتحدة في حالتها الراهنة غير قادرة على نشر قدراتها العسكرية في كافة أنحاء العالم سواء بسبب الظروف المالية والنفقات وبسبب عدم كفاءة وتأهيل قوات الجيش الأميركي المنهك لخوض عدة حروب في أماكن مختلفة من العالم وفي توقيت واحد.

هذا في الوقت الذي ترغب فيه الإدارة الأميركية في سحب القوات الأميركية من العراق، هذه القوات التي أصابها الإنهاك الشديد والانهيار النفسي الحاد بعد حرب امتدت لخمس سنوات بدون أسباب مفهومة وبدون إستراتيجيات وخطط ميدانية واضحة، وذلك حسب اراء قادة الجيش الأميركي أنفسهم الذين قالوا انهم خاضوا في العراق قتالا لا يشبه الحروب المتعارف عليها من قبل.

من الواضح من تشكيل الإدارة الأميركية الجديدة أن الأعباء القادمة لن يتحملها الجيش بالدرجة الأولى بل ستقع على مؤسسات أخرى، وبالمرتبة الأولى، أجهزة الاستخبارات التي عين أشخاص جدد في قيادتها. فعين رئيسا للاستخبارات الوطنية الأميركية دينيس بلير، أميرال متقاعد، شغل العديد من المناصب القيادية والإدارية العليا، ولديه خبرة عمل في وكالة الاستخبارات المركزية، حيث كان مسؤولا إضافة إلى وظائف أخرى، عن التعاون بين الوكالة والمؤسسة العسكرية.

ويكشف تعيين بلير، جزئيا، عن ميدان اهتمامات الإدارة الأميركية الجديدة، إذ وقع الخيار من بين عدد كبير جدا من المرشحين لشغل منصب رئيس الاستخبارات الأميركية، على دينيس بلير اختصاصي في شؤون روسيا ويتقن اللغة الروسية. ورشح أوباما لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، أقوى مؤسسة بين هيئات الاستخبارات الاميركية، ليون بانيتو رجل القانون (71 عاما).

الاختصاصي في حقوق الإنسان، والذي لم يعمل أبدا في مؤسسة الاستخبارات الأميركية، ولكن تم اختياره بصفته عضوا في الكونغرس شارك في عدد من اللجان التي تهتم بنشاطات أجهزة الاستخبارات. ويفسر الكثيرون هذا التعيين برغبة أوباما في جعل عمل وكالة الاستخبارات المركزية يتجاوب مع مبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان التي أعلنها، وكانت لدى الوكالة في السنوات الأخيرة مشاكل كبيرة في هذا المجال.

وستتلخص مهمة بانيتو، عمليا، في أداء دور «المنظف» الذي يتعين عليه تطهير سمعة الولايات المتحدة من عار سجن أبوغريب وغوانتانامو والسجون السرية وغيرها من مخلفات «الهفوات في مكافحة الإرهاب». وهذا يتيح في نفس الوقت استخلاص استنتاجات، بأن الولايات المتحدة تنوي تنشيط العمل الخارجي على خط حقوق الإنسان، مما ينسجم مع رؤية نقل الجهود من الاتجاه العسكري إلى الاستخباراتي.