بعد أن انتهت «مؤقتا» المرحلة الأكثر عنفا في العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزّة، من المناسب محاولة تقييم دروسه الأساسية. فلنعد أولا إلى الأهداف السياسية لتلك الحرب. كان الهدفان المعلنان رسميا هما وضع حد نهائي لإطلاق الصواريخ من غزّة وإنهاء تمرير الأسلحة عبر مئات الأنفاق من مصر إلى القطاع. هذان الهدفان لا يمكن أن يتحققا دون نهاية الحصار على غزّة والوصول إلى اتفاق سياسي مع حماس. وهذان الشرطان تصرّ إسرائيل على رفضهما.

كذلك يريد المسؤولون الإسرائيليون إعادة الهيبة لجيشهم بعد تشويه صورته بسبب الفشل الذي عرفه في حرب صيف 2006 بجنوب لبنان؛ بتعبير آخر أرادوا أن يثبتوا بالوسائل الأكثر بربرية تفوقهم العسكري في المنطقة. وأراد الإسرائيليون أيضا معاقبة الفلسطينيين على اقتراعهم لصالح حماس في الانتخابات التشريعية لشهر يناير من عام 2006. هذان الهدفان الأخيران هما من طبيعة استعمارية بحتة وينفيان كل أفق للحل السياسي للمسألة الفلسطينية.

ومن الواضح أن توقيت القيام بالعدوان الإسرائيلي كان مدروسا بعناية، إذ ان باراك نفسه قد اعترف بتحضير عملية «الرصاص المسكوب» منذ ستة أشهر. وقد أرادت إسرائيل من القيام بها أثناء الفترة التي سبقت تولّي الإدارة الجديدة في أميركا السلطة فعليا أن «تلوي ذراع» الرئيس اوباما خشية موجة التعاطف الذي قوبل انتخابه فيها بالعالم العربي والإسلامي. كان المقصود هو قسره على أن يؤكّد الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل كي يفقد رصيد التعاطف الذي يحظى به في المنطقة.

لقد وجد أوباما نفسه أمام فخ حقيقي، إذ كان من المستحيل أن يبدأ فترته الرئاسية بتوجيه النقد لإسرائيل ولكن من المستحيل أيضا أن لا يتخذ المبادرات السياسية التي تشير إلى القطيعة المفترضة مع سياسة سابقة.

وكان ينبغي أن تبدأ تلك الحرب الإسرائيلية أيضا قبل الحوار المعلن بين الولايات المتحدة وإيران وسوريا الذي ربما قد يؤدي إلى حل وسط حول المسألة النووية والشروع بسياسة وفاق في المنطقة تسهّل الانسحاب الأميركي من الورطة العراقية.هذا دون نسيان أفق إمكانية التوصّل إلى اتفاق بين الدولة العبرية وسوريا بالوساطة التركية المعروفة، لكن هذا المنظور أصبح شبه مسدود الآن بسبب تلك الحرب التي شنّتها إسرائيل.

كانت نتائج العدوان الإسرائيلي مرعبة إنسانيا وغير منتجة على الصعيد السياسي. صحيح أن حماس ضعُفت عسكريا لكن لم يتم حذفها عن الخارطة كما حدد القادة الإسرائيليون أحد أهداف عمليتهم. بل إن قدرتها على البقاء بدت للكثير من شعوب المنطقة بمثابة انتصار سياسي وأخلاقي ورمزي.

وهناك اليوم مأزق عسكري إسرائيلي. ومأزق على مستوى العلاقات بين الفلسطينيين. ومأزق أيضا في العلاقات بين القوى الإقليمية. هناك الموالون للنهج الأميركي والذين يجدون أنفسهم في حالة تعارض مع الرأي العام في بلدانهم والمناوئ عامة للخط الأميركي، وحيث ينبغي على القيادات السياسية أن تداري من جهة غضب مواطنيها وتحافظ من جهة أخرى على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة.

بالمقابل يتهيأ المحور الإيراني ـ السوري، الذي تعزز آنيا بقطر، للدخول في فترة من الوفاق مع إدارة اوباما الجديدة . أمّا تركيا التي أبدت نشاطا كبيرا منذ عدة أشهر فيما يتعلّق بالملفات السياسية للشرق الأوسط فإنها تحس بحنق مشروع وشديد أمام الازدراء الذي صدر من القادة الإسرائيليين حيالها.

في المحصّلة تبدو الأمور سيئة للجميع. فمن وجهة النظر الإسرائيلية هناك فشل الخيار العسكري. ومن وجهة النظر العربية هناك فشل جميع المحاولات الخاصة بالمفاوضات كما تمّ تصوّرها حتى الآن. ومن وجهة النظر التركية هناك الفشل في محاولات تسهيل المفاوضات. ومن وجهة نظر إيران هناك تساؤل حول إمكانيات الشروع بحركة تتجه نحو الوفاق الدولي.

بعد 15 سنة من اتفاقيات أوسلو لم يتم تحقيق أي تقدّم ملموس فحسب، ولكن هناك عدّة مظاهر للتقهقر. وفي مواجهة استيطان إسرائيلي أكثر فأكثر عدوانية تُطرح مسألة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وحيث يبدو تحقيقها أكثر فأكثر مثارا للشكوك.

إن تحدّي الاستيطان هو الذي ينبغي التعرّض له أوّلا بأوّل. للتذكير كان هناك 255000 مستوطن إسرائيلي في الضفّة الغربية والقدس الشرقية لحظة توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، ويوجد الآن 480000 . هنا إذن يكمن لبّ المشكلة وليس في عمليات القصف التي تقوم فيها حماس.

بناء على هذا الواقع ينبغي التفكير بالأسس التي يمكنها أن تسمح بالوصول إلى سلام عادل ودائم. ولابد من إعادة التأكيد بقوّة أن النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو نزاع سياسي ونزاع على الأرض. وهذا يتطلب التصدّي لجميع دعاة «صدام الحضارات». وبكل الحالات لابدّ من إدراج حماس في اللعبة السياسية ذلك أنها تشكّل جزءا من الحل المطلوب الشروع فيه.

ومن أجل الوصول إلى حلول على المجموعة الدولية أن تتحمّل مسؤولياتها أخيرا وتتوقف عن وضع عصبة على عينيها. ولا يمكن لسياسة المثقالين والمقياسين على حساب الفلسطينيين دائما إلا أن تؤدي إلى الكوارث. إن رهان اللحظة هو عقد مؤتمر دولي يجمع كل الأطراف المعنية بالنزاع دون استثناء. والهدف الملحّ هو إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة عبر اتفاق ملزم للجميع وإلاّ فإن متاهات اتفاقيات أوسلو وأنابوليس سوف تتكرر وتزداد خطورة.