لا تزال مدينة القدس مستباحة من قبل اليهود منذ احتلالها، ولا يزال التهديد مستمراً لنسف المسجد الأقصى وتنفيذ مخطط الإبادة الجوهرية للوجود الإسلامي والعربي من خلال القيام بعمليات الحفر والهدم والإحلال، ولعل الاستغاثة التي أطلقها قاضي قضاة فلسطين ورئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الشيخ تيسير التميمي لحماية المسجد الأقصى ليست الأولى فقد أطلقت مئات المرات من قبل.

وستطلق أيضا لاحقا، إلا أن هذه الزفرات الحارقة لم تحرّك ساكنا من قبل الأمتين الإسلامية والعربية ولا تزال القدس خارج نطاق المبادرات السلمية، ومن المسلمات غير القابلة للنقاش من قبل الإسرائيليين الذين يعرفون هم والعرب أن القدس هي جزء لا يتجزأ من الضفة الغربية، وان ضمها وعزلها من قبل إسرائيل يعتبر أمرا غير شرعي ومخالفا للقرارات الدولية المتعلقة بالقدس.

ذهاب الشيخ التميمي إلى التحذير من خطورة الحفريات الإسرائيلية، تنطلق بعد عدة انهيارات أصابت ساحات المسجد الأقصى إضافة إلى وجود تصدعات وتشققات خطيرة في أعمدة المسجد والمباني المحيطة به، فالهدف الرئيسي من وراء سياسة الحفر هو خلخلة الأساسات للمسجد الشريف، وإبقاؤه معلقا في الهواء ومعرضا لعوامل الطبيعة كي يسهل انهياره.

ورغم ادعاء الحكومة الإسرائيلية بوقف عمليات الحفر، إلا أن هذه الادعاءات كما يقول شهداء العيان كلها أكاذيب، فمنذ استيلاء إسرائيل على القدس بعد حرب 1967، والتحركات لتهويد القدس حثيثة ومتسارعة، فضمن سياسة الاحتلال لعرب أقل ويهود أكثر في القدس تم إخراج التجمعات الفلسطينية من داخل حدود البلدية عن طريق الجدار الفاصل.

ووضع الكتل الاستيطانية والمستوطنين داخل حدود البلدية، بنهج يندرج ضمن رؤية لرئيس الوزراء الاسرائيلي «إيهود أولمرت» بصفته أيضا رئيسا سابقا لبلدية القدس لأن تكون القدس بأقلية عربية لا تتجاوز 12% وأغلبية يهودية تمثل 88% من سكان المدينة، ولعب الجدار الذي تم إنشاؤه داخل أراضي الضفة الغربية دورا في اقتطاع أجزاء واسعة من الأراضي ليحاصر ويطوق مدن وقرى عديدة في طريقه وإحاطتها بالجدار من كل الجهات لتبدو على شكل معازل وسجون.

ومن ضمنها القدس التي أصبحت محاصرة بهذا الجدار الذي يدمر حياة الناس ويمنع تواصلهم، فهناك أكثر من 278 ألف نسمة في منطقة القدس فصلوا عن مدينتهم وعن الضفة الغربية، وعن المعاهد العلمية وعن الجامعات وعن المستشفيات، وعن امتدادهم الإسلامي والفلسطيني.

ويبدو أن هذه السياسات لا تختص بها الحكومة الإسرائيلية فقط وإنما هناك جمعيات يهودية منظمة تقوم بمهمة لا تقل خطورة عن عمليات الحفر الرسمية لهدم المسجد الأقصى الشريف ومحيطه الإسلامي فما تزال «مسيرة الأبواب» مستمرة، ففي رأس كل شهر عبري تتجمع هذه الجماعات بالقرب من ساحة البراق، وتقوم بمسيرة حول أسوار المسجد الأقصى وبوابته الرئيسية، يشارك فيها المئات وأحيانا الآلاف، يرفعون خلال مسيرتهم شعارات « فليبن الهيكل. . وليهدم المسجد» و «فليبنى الهيكل..

وليحرق المسجد»، وتوزع الكتب والأدبيات حول أهمية بناء الهيكل الثالث، وتنشط العديد من الجمعيات اليهودية مثل جمعية «العاد» و«عطرات كوهانيم» بأداء دورها في مخططات هدم المسجد الشريف من خلال القيام بحفريات سرية تعد من أخطر الحفريات التي تنفذ تحت المسجد الأقصى خلال السنوات الماضية.

وبدورها قامت كثير من المؤسسات الفلسطينية بكشف هذه المخططات من خلال النزول إلى الأنفاق لتبين حقيقة الأمر، وتوثيق عمليات الهدم، فقد وصلت كاميرا مؤسسة الأقصى إلى أبواب مغلقة بالأتربة وأخرى مغلقة بالحجارة مما يؤكد على وجود أنفاق أخرى أو أعمال أخرى لم تستطيع الكاميرا الوصول إليه.

وظهر في الشريط أن هذه الانفاق تبدأ من مقهى حمام العين باتجاه الأقصى، كما تم التأكد من أن الحفريات قد وصلت إلى منطقة الكأس الواقعة بين قبة الصخرة والمسجد القبلي العتيق، وأشار الشريط إلى أن أنفاقا أخرى تم كشفها مسبقا عبر مؤسسة الأقصى مثل النفق الملاصق للجدار الغربي للأقصى من حائط البراق إلى باب حمام العين ونفق آخر أسفل بلدة سلوان جنوب الأقصى باتجاه الأقصى بطول 600 متر.

ولم تقتصر هذه المحاولات في القدس على الأحياء ولكنه طال أيضا الأموات وقبور الصحابة، فاستباح مقبرة إسلامية في فلسطين والقدس، بحجة إقامة متحف والغريب أسموه «متحف التسامح» برعاية سلطة التطوير في بلدية القدس، وتعد مقبرة «مأمن الله» التي تقع غربي مدينة القدس القديمة وعلى بعد 2 كم من باب الخليل، أكبر مقبرة إسلامية في القدس، حيث تقدر مساحتها بـ 1000 متر مربع.

وتضم رفات المجاهدين والعلماء والصالحين من الصحابة والتابعين منذ الفتح الإسلامي إلى الحقب التاريخية التي عقبتها. ومن الطريف أن يدعي القائمون على المشروع أنه مخصص للترويج وللتفاهم بين الديانات المختلفة والتسامح بينها بكلفة نحو 200 مليون دولار بتمويل مركز سيمون فيزنتال في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة.

ومع التداعيات المخزية التي تحدث للأقصى الشريف لا نجد من يضع حدا لهذه الخروقات ولم نسمع صوتا عربيا واحد يطالب بوقف هذه الحفريات، وكان من اضعف الإيمان أن تقوم المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالمطالبة بحماية الهوية العربية والإسلامية لمدينة القدس، من خلال متابعة تنفيذ البرامج والأنشطة الموجهة لفائدة المؤسسات التربوية والعلمية والثقافية.

ولكن لا تزال جهودها الهادفة إلى تعبئه الرأي العام العالمي لوقف أعمال الحفريات والاعتداءات التي تتعرض لها المقدسات الاسلاميه في فلسطين من قبل القوات الإسرائيلية لم تجد الصدى المناسب الذي يعبر عن مكانة القدس والمسجد الأقصى فماذا ننتظر؟

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com