اتفق قادة البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي للبلدان الكائنة في الساحة السوفييتية سابقا والمعروفة باسم «المجموعة الاقتصادية الأوراسية» على إنشاء صندوق مالي برأسمال يعادل 10 مليارات دولار أميركي لمواجهة الأزمة المالية، وهو صندوق يشبه صندوق النقد الدولي وفق ما قاله النائب الأول لوزير الخارجية الروسي أندريه دينيسوف.
ومن المقرر أن تساهم روسيا ب5,7 مليارات دولار في رأسمال الصندوق وكازاخستان بمليار دولار. وسيتم تحديد مساهمات الأعضاء الآخرين ـ بيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزيا وطاجيكستان ـ فيما بعد، مع العلم أن من لا يسدد نصيبه لن يتمكن من استخدام الصندوق.
وستشرف موسكو على الصندوق، باعتبارها المساهم الأكبر والضامن لميزانية الصندوق، وقد يتصور البعض أن موسكو سوف تستخدم الصندوق لفرض هيمنتها اقتصاديا على باقي الدول الأعضاء.
ولكن هذا ليس صحيحا رغم نفوذ روسيا في الصندوق، فالأموال هنا ستمنح في شكل قروض وليست مساعدات، وهو ما قاله الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف «إن الصندوق سيقدم قروضا يجب ردها، وستمنح هذه القروض فقط عند الضرورة كحاجة طارئة لتسديد الحكومات التزاماتها نحو المواطنين».
وسينشأ الصندوق من أجل التصدي للظواهر السلبية التي يواجهها الاقتصاد والقطاع المالي في الدول أعضاء المجموعة. وتستهدف هذه البنية الجديدة المساعدة في حل قضايا التعاون في إطار المجموعة الاقتصادية الأوراسية.
وكذلك دعم المشاريع الاقتصادية المتعددة الأطراف. ومن المفروض أن يقدم الصندوق لحكومات دول المجموعة سلفا وقروضا لتجاوز الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، واستقرار اقتصادات البلدان ذات الإيرادات المحدودة، وتمويل الصفقات التجارية بين دول المجموعة ومشاريعها الاستثمارية المشتركة.
الفارق الهام بين هذا الصندوق وصندوق النقد الدولي أن الثاني تأسس منذ البداية باتفاق بين الدول الغنية لم تشارك فيه باقي الدول في العالم، فأصبح خاضعا تماما لسيطرة الدول الكبيرة الغنية وخاصة الولايات المتحدة، ويستخدم القروض التي يمنحها كأداة ضغط على أنظمة الحكم وأيضا شعوب الدول المقترضة، أما صندوق المجموعة الاقتصادية الأوراسية فقد تأسس باتفاق بين الدول الست أعضاء المجموعة وغير مفتوح لغيرهم.
وجاء استجابة لتطور العلاقات الاقتصادية بشكل ملحوظ بين دول المجموعة، وقد أعلن السكرتير العام للمجموعة الاقتصادية الأوراسية طاهر منصوروف أن حجم التبادل التجاري بين الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوراسية قد ازداد بنحو 5 أضعاف منذ تأسيسها عام 2001 ووصل في عام 2008 إلى 135 مليار دولار.
الغريب في الأمر أن ينشأ هذا الصندوق في هذا التوقيت بالتحديد، حيث يواجه العالم أزمة مالية حادة لم يشهدها في تاريخه، حيث لا تستثنى دولة واحدة في العالم من المعاناة من هذه الأزمة، بحيث أصبحت كافة دول العالم وعلى رأسها الدول الكبيرة تمتنع عن تقديم أي قروض أو مساعدات لأي جهة خارجية نظرا لقلة الأموال والسيولة..
كما أن صندوق النقد الدولي نفسه أصبح يمتنع حتى عن قبول طلبات الاقتراض منذ اندلاع الأزمة، وبالطبع ليست لديه أموال ولن تكون لديه في الفترة القادمة أية سيولة لأن الدول الداعمة له وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تملك في هذه الأزمة المال الذي تسدد به حصصها في الصندوق.
ولا شك أن هذا المشروع فيه شيء من المخاطرة من جانب روسيا التي تعاني مثل غيرها من الأزمة المالية العالمية، وقد لقي المشروع اعتراضات كثيرة في الأوساط السياسية والاقتصادية الروسية، ولكن على ما يبدو أن الإستراتيجية الروسية للتعامل مع الأزمة العالمية تسير في اتجاه انتهاز الفرص لاستعادة النفوذ الروسي في الفناء السوفييتي السابق..
وربما لا تسمح ظروف أخرى غير هذه لروسيا بأن تحقق أهدافها، خاصة وأن هناك في الغرب من ينافسها في هذه المنطقة ويسعى بجدية للتغلغل فيها، وبالتحديد الولايات المتحدة، ولكن على ما يبدو أنه في ظروف الأزمة الحالية كل أوراق اللعبة مازالت في يد روسيا.
خبيرة اقتصاد روسية