الكثيرون يتساءلون لماذا يناصب الروس والأميركيون كل منهما العداء للآخر، ولماذا لا يتعاونون معا على أسس وقوانين وقواعد معروفة ومحددة ؟

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كتب مؤخرا مقالاً تحت عنوان «سياسة روسيا الخارجية والنوعية الجديدة للوضع الجيوسياسي» نشرته مجلة «النشرة الدبلوماسية السنوية لعام 2008»، أعلن فيه انه لن تستطيع موسكو وواشنطن تحقيق الإمكانات المتوفرة لإقامة التعاون الثنائي البناء الطويل الأمد بدون استعادة الثقة بينهما.

وقال لافروف : «علاقات روسيا مع الولايات المتحدة تشهد الآن مرحلة غير بسيطة، وثمة اختلافات مبدئية في الموقف من القضايا العالمية الكثيرة. لكن الأهم هو أزمة الثقة، علما بأنه لا يمكن تحقيق الفرص المتوفرة لإقامة التعاون الثنائي البناء الطويل الأمد بدون استعادة الثقة».

وأضاف قائلا: «تنبغي اليوم البرهنة على المقدرة في الزعامة الحقيقية في مجال حل القضايا العالمية سواء كان ذلك يتعلق بالفقر العام أو أمن الطاقة أو الأمن الغذائي أو تغير المناخ».

الواقع أن هناك على الساحة الدولية ثلاثة محاور تدور حولها السياسة الدولية، وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، وتسعى روسيا شأنها شأن الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة علاقتها مع الولايات المتحدة على أساس المساواة في الحقوق.

ولا شك بأن إقامة التعاون الحضاري المتكافئ الحقوق بين روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من شأنه أن يسهم في تشكيل الزعامة الجماعية التي هي بالقطع أفضل بكثير من زعامة القطب الواحد الذي باتت في حد ذاتها مشكلة كبيرة، خاصة عندما يرتكب هذا القطب أخطاء فادحة ويتحمل مسؤوليتها المجتمع الدولي كله، وربما الأزمة المالية العالمية الحالية خير دليل على ذلك.

لابد من الاعتراف بضرورة إعادة الأجندة العالمية كلها بغية تنسيق صيغتها الجماعية. وليس من الضروري أن نبدأ من الصفر، هناك قاعدة مشتركة لذلك، وهي أهداف ومبادئ واردة في ميثاق الأمم المتحدة. غير أننا لا يمكن أن نتفادى عملية إعادة النظر في سبل تطبيقها، إذ إن سبب تفاقم الأوضاع الحالية في العالم يكمن في صورة العالم المرسومة في الغرب للجميع منذ عام 1992 والتي أثبتت عدم مصداقيتها تماما.

ولا شك أن الأزمة المالية الراهنة هي فرصة سانحة لإعادة لفت اهتمام اللاعبين الأساسيين إلى القضايا الحقيقية، الأمر الذي يمكن أن يتحول إلى دافع قوي لتطوير النزعة في المستقبل نحو البراغماتية وجعل العلاقات الدولية تخلو من الروح العسكرية والإيديولوجية، التعاون الوثيق في مسألة التغلب على الأزمة الراهنة يمكن أن يشكل الظروف اللازمة للانتقال للثقة من اجل حل القضايا الأخرى.

وزد على ذلك فثمة أساس للاعتقاد ان إنشاء البنية المالية المتعددة الأقطاب سيكون عنصرا حازما في إصلاح الإدارة العالمية. أما المكونات الباقية فتشغل مواقعها الطبيعية من تلقاء نفسها. وسيحد الطابع الجماعي للمنظومة الجديدة إلى حد كبير إمكانية إعادة التقسيم الجيوسياسي للعالم من جديد.

أليس أمرا شاذا أنه لم يُشكَل حتى الآن في أوروبا نظام أمن جماعي من شأنه أن يكون مفتوحا ويضمن الأمن المتساوي للجميع، يجب وبسرعة العدول عن كافة الخطط الأحادية الجانب والبدء في العمل المشترك على حل قضايا الأمن الأوروبي على أساس المساواة في الحقوق وليس على أساس التحالفات، إن مبدأ التمركز حول حلف الناتو يعوق نشوء نظام الأمن الشامل في الفضاء الاوراطلسي ويعرقل أي حوار نزيه حول القضايا المشتركة.

انعدام الثقة بين موسكو وواشنطن جعل البعض يعتقد أن عقد معاهدة جديدة للأمن الأوروبي الشامل موجهة نحو تخريب الناتو رغم أن موسكو تقترح مشاركة الولايات المتحدة في هذه المعاهدة، رغم أن الولايات المتحدة ليست دولة أوروبية في حين واشنطن ترفض روسيا التي تشغل مساحة كبيرة من أوروبا.

استمرار حالة انعدام الثقة بين موسكو وواشنطن يشكل عقبة كبيرة أمام حل العديد من المشاكل الدولية.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru