من سن الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة، مرحلة ما بعد الطفولة، هي الأخطر وهي الأهم في مسألة الرعاية والعناية والمتابعة، وهي المرحلة الأكثر حساسية في مراحل تطور وبناء الشخصية، وإذا كان التربيون وعلماء النفس يدركون هذه المسألة وخطورة التعامل معها، فاننا كأفراد عاديين، آباء وأمهات وأولياء أمور ومسؤولون أيا كنا في المواقع التي تتعامل وتتعاطى مع هذه الفئة، فان إدراكنا بهذا الأمر يجب أن يكون مشابها لأهل الاختصاص.
ولا مجال هنا وفي هذه المساحة الضيقة أن نعدد صفات الخمس السنوات الفاصلة بين مرحلة الطفولة وسن الثامنة عشرة التي يعتبر فيها الشاب مسؤولا مسؤولية كاملة عن تصرفاته باعتباره يذهب إلى سن الرشد وبالإمكان تحميله مهمات ومسؤوليات، لكن يكفي أن نعرف أنها مرحلة نمو الأنا وبصورة قوية ومرحلة الأسئلة الصعبة ومرحلة الضباب والتوهان، ومرحلة فيها الكثير من الاندفاع والتجريب والاعتداد بالنفس غير الناضج..
نضع برامج تتوجه إلى الشباب، بأنواعها المختلفة، رياضية، ثقافية، اجتماعية، ترفيهية وغيرها، لكننا هل نحدد لمن نتوجه، هل نضع تلك الأرقام الحسابية في أذهاننا. هل نؤسس مشاريع تلك البرامج بناء على متطلبات المرحلة السنية التي نتوجه إليها؟ في المحيط الذي حولنا، وبالنظر إلى حال هذه الفئة حينما نلتفت يمنة ويسرة، نكتشف كم نحن بعيدون عن هواها وواقعها برمته..فالجيل الذي أمامنا ومن هم في هذه المرحلة العمرية بالذات يستسلم استسلاما تاما لما هو قادم من وراء البحار، فئة تعيش في حال استلاب تام بما يأتي من خارج البيئة، لأن البيئة لا يوجد فيها ما يمكنه استيعاب الضبابية التي يعيشون فيها.. هنا تبدأ مسيرة الاغتراب عن ثقافة البيئة والمكان، وتصبح هناك حالة من الانسلاخ عنها.
نحن أيضا كأولياء أمور، آباء وأمهات ركبنا الموجة وصرنا نبرر لأبنائنا وبناتنا انسلاخهم هذا، بدعوى أننا آباء متحررون وديمقراطيون ولا نؤمن بالقمع ولا نريد أن نمارسه بأي شكل من الأشكال، وبهذه القناعة اعتقدنا أننا نوفر بيئة تربوية أفضل مما وفره آباؤنا لنا في الزمن الغابر..
لكن يغيب عنا كثيرا أننا إذا أردنا أن نتعامل بمبدأ التربية الحديثة وبمبدأ الانفتاح هذا، علينا أن نستبدل القمع بثقافة الإقناع، وهذه الأخيرة تطلب منا بناء أنفسنا وتأهيلها أولا قبل بناء وتأهيل شخصيات أبنائنا..وعلينا أن نكون على قدر من الإلمام باعتلاجات النفس البشرية، علينا أن نفهم مطاليب المراحل المختلفة التي يمر بها الأبناء، أي علينا أن نمتلك شيئا من مباديء تلك التربية الحديثة.
ما بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة.. مهمة صعبة وشاقة ولا يمكن تمثل ما يفعله كثير من أولياء الأمور حينما يقولون كبر الأولاد وصاروا يعرفون كل شئ!!
