لا تريد أن تضيع فرنسا الوقت لذلك هي تصحو مبكراً وتقفز سريعاً من سريرها. فالعالم في الخارج يتهاوى اقتصادياً، والولايات المتحدة تلملم آثار الدمار الذي لحق بها طوال فترة رئاسة جورج بوش الخاسرة والاتحاد السوفييتي ما زال متردداً في ترتيب أوراقه لما بعد حرب الأعصاب مع البيت الأبيض.
لقد وجد ساركوزي بأن الفرصة لا تعوض لكي يجعل من فرنسا القوة الأعظم في العالم في ظل انشغال الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بمشكلاتهما الخاصة.
وهو يدرك تماماً أن التربع على عرش العالم ليس بالمهمة السهلة. فالقوة لا تأتي من فراغ والجلوس على عرش العالم لا يكون بجرة قلم. كما أن فرنسا بما تعانيه حالياً كغيرها من دول أوروبا من أزمة اقتصادية مرة أصبحت متأخرة في الشوط عن الصين واليابان والهند. والرهان بالتالي صعباً. وعليها التحرك.
إن قوة الصين تأتي من قوة اقتصادها، وقوة اليابان هي أيضاً تأتي من قوة اقتصادها، وقوة الهند كذلك تأتي من قوة اقتصادها. فإذا أرادت فرنسا أن تجاري وتنافس الصين والهند واليابان فعليها أولاً أن تخرج من أزمتها الاقتصادية، خاصة أن توقعات خبرائها لا تحمل لها الأنباء الطيبة لا في السنة الحالية ولا القادمة على الأقل. فماذا تصنع والوقت - بعكس ما يعتقد العرب - كالسيف.
لقد لاحظنا على ساركوزي منذ بداية توليه كرسي الرئاسة بأنه لا يقضي كثيراً من وقته خلف طاولته الفاخرة في قصر الإليزيه وأنه يجري وكأنه في سباق مع الماراثون.
ولكي يثبت أنه رئيس التغيير وقائد الشبيبة، قام بتطليق زوجته الثانية التي لا تعكس تطلعاته وارتبط بكارلا بروني وهي ليست ككل زوجات رؤساء العالم من حيث الموهبة والشكل. وهي حركة ذكية جداً حيث جعلت منه بفضلها نجماً يحتل الصفحات الأولى في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
وبعد ذلك جاء دور البحث عن توطيد علاقاته مع الدول القريبة والبعيدة من خلال الزيارات المكوكية السريعة. ولكنه خرج منها بعدة صفقات بمليارات اليوروهات ضمن من خلالها الوجود الفرنسي على الدوام في العديد من الدول التي لم تفكر يوماً ما أن تكون فرنسا راعية لبرامجها الاقتصادية، وفي نفس الوقت أمن لآلاف الفرنسيين فرص العمل في عالم انتشرت فيه البطالة وإغلاق المصانع.
غير أن بعض الدول العربية الطيبة لا تقتنع دائماً إلا بمن يحرك عاطفتها. وحيث اننا لا هم لنا سوى البكاء على الفلسطينيين ولو بدموع التماسيح، فإن ساركوزي البراغماتي - رغم أصوله اليهودية ورغم دفاعه الصريح عن بقاء دولة إسرائيل قبل انتخابه وبعد انتخابه - لم يتردد لحظة واحدة في دغدغة مشاعر العرب والمسلمين بالدفاع عن أهالي غزة أثناء الغزو الإسرائيلي، وقرر زيارة دول عدة من بينها سوريا ولبنان ومصر وبالطبع الأراضي الفلسطينية. إن لعب (دور مؤثر) في الشرق الأوسط لا يعني منح الحب مجاناً.
كما أننا لم نعرف مطلقاً أن رئيساً غربياً دافع عن القضايا العربية سياسياً دون أن تكون له أهداف اقتصادية مضمرة. إنها مسألة استثمار واستعمار أولاً وأخيراً.
قبل أيام قام الرئيس ساركوزي بزيارة هي الأولى من نوعها لرئيس فرنسي إلى العراق حيث يبدو انه لم يزر العراق من قبل أي إمبراطور أو ملك أو رئيس جمهورية فرنسي! (حسب البيان الرئاسي العراقي). طوال أيام قصف بغداد بالصواريخ الأميركية عام 2003 لم يحرك الغرب ساكناً وظلوا صامتين وكأن الأمر لا يعنيهم.
في الحقيقة أن معظمهم كان ينتظر تدمير العراق عن بكرة أبيه، ليس حقداً على الشعب العراقي ولا كراهية لنظام صدام بل لإعداد العدة لإعادة تعميره من جيوب العراقيين. ورغم نفي ساركوزي أن مهمته تحمل طابع الاستثمار، إلا ان اختيار مرافقيه يكشف حقيقة الجولة السريعة: وزير الخارجية والدفاع وسكرتيرة الدولة للتجارة الخارجية! ثم أكمل ساركوزي طريقه إلى سلطنة عمان فالبحرين فالكويت، ورجع بعدها قافلاً إلى قصر الإليزيه وهو يحمل على كتفيه عشرات الأرطال من العقود الاستثمارية والعسكرية تتضمن بعضها بيع عشرات الطائرات العسكرية (نوع رافال) إلى الكويت والسلطنة.
إن فرنسا لا تبيع كلاماً بالمجان كما يظن البعض. إنها تبني اقتصادها في الوقت الذي يجلس فيه الرئيس أوباما في البيت الأبيض يفكر في كيفية التخلص من مخلفات بوش، وبينما يجلس الشرق الأوسط يصفي حساباته فيما بينه طائفياً. ثم أن سيارات إطفاء فرنسا هي الأقرب جغرافياً من كل دول العالم إلى منطقة الشرق الأوسط التي لا تتوقف فيها المحارق والمعارك حتى اعتادت على شراء السلاح قبل الخبز.
(وحتى الخبز تشتريه من الخارج لعدم وجود الوقت الكافي للعجن). سنلاحظ أن الرئيس ساركوزي قد ركز على منطقة الشرق الأوسط وخاصة الدول التي تتبع يوماً ما الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وهي في الأساس المطامح الاستراتيجية الأولى للولايات المتحدة في السابق: السوق + النفط + الموقع الاستراتيجي، وكلها تصب في خانة الاستثمار.
إن ساركوزي يشبه إلى حد بعيد تطويراً ذكياً لشخصية روبان دو بوا (روبان هوود - أو روبان وود) في الرسوم المتحركة المعروفة لدى الكبار قبل الصغار، ولكن في صورة حضارية وشرعية، حيث ان ما يجمعه من مال بشكل قانوني يوزعه على شعبه. وشخصية روبان هوود الكاريكاتيرية تحمل في طياتها شخصية الضفدع والديك.
وبما أن الضفدع يذكرنا دوماً بالفرنسيين حيث انهم يطبخون سيقانه ويصنعون منها حساء طيب المذاق، فلا بد أنهم يقفزون مثل روبان دو بوا بشكل أسرع من غيرهم لالتهام الغنيمة المتروكة دون راع، وحيث ان الفرنسيين اختاروا الديك ليصبح رمزاً لهم، فيجب عليهم أن يصحوا كعادة روبان هوود مبكراً قبل أن يلتهم الثعلب الماكر العنزات الثلاث.
وكل خرافة وانتم بخير.
جامعة الإمارات
