هذا كتاب شائق للغاية، أحب أن أعرض فكرته على القراء، فهو يناقش قضية مهمة، ويلفت النظر إلى ما قد لا يلتفت كثيرون إليه، ويبعث على المزيد من التفكير. الكتاب هو (Mcdonaldization of Society) أو ما يمكن ترجمته إلى (إعادة تشكيل المجتمع في صورة ماكدونالدز). والمؤلف جورج ريتزر (George Ritzer) أستاذ أميركى لعلم الاجتماع في جامعة مارى لاند (Maryland)، وقد صدر الكتاب في الولايات المتحدة وأعيد طبعه عدة مرات .

ما أهمية هذا الكتاب ؟ أهميته ترجع إلى أنه يتناول ظاهرة معروفة للجميع، ومنتشرة في كل مكان، وآخذة في مزيد من الانتشار بسرعة، فيربط الكتاب بينها وبين ظواهر آخرى كثيرة في المجتمع، منتشرة أيضا، ولكن لا يلاحظ الكثيرون (بل وربما معظم الناس) أوجه الشبه بين هذه الظواهر وظاهرة ماكدونالدز.

واكتشاف أوجه الشبه هذه من شأنه أن يدفعنا إلى تفكير أعمق فيما يحدث في العالم الحديث، وفي تأثيره على مشاعر الناس وسلوكهم وعلاقاتهم الاجتماعية، مما قد يعتبره كثيرون ( وأنا منهم) مؤسفا وداعيا للقلق.

ما هي السمات الواضحة، والتي يلاحظها الجميع في ظاهرة «ماكدونالدز»؟ إن ماكدونالدز يبدو في البداية مجرد مطعم يقدم الوجبات السريعة. كل ما فيه نمطي (أى يتكرر بالضبط المرة بعد المرة، وفي بلد بعد آخر، دون أي اختلاف يذكر): من حجم الساندوتش، إلى نوع الخبز الذي يصنع منه، إلى ما يوضع بداخله، إلى طريقة طهيه، إلى ألوان وشعار المحل الذي يباع فيه، إلى طريقة تنظيم المقاعد بداخله، إلى الذي يرتديه القائمون بالخدمة فيه، إلى طريقة طلب الطعام وتلقيه.. الخ.

كما يلاحظ أيضا أن الأصناف المقدمة في محلات ماكدونالدز محدودة ومعروفة، لاتزيد ولا تنقص. هذه المحلات تنمو بسرعة مذهلة، وفي مختلف أنواع البلاد ظهر أول محل لماكدونالدز في الولايات المتحدة في سنة ؟؟؟؟، فلم تحل سنة ؟؟؟؟ حتى كان قد أصبح له ؟؟ ألف فرع في مختلف أنحاء العالم. ماكدونالدز الآن موجود في ؟؟؟ دولة، ويقوم بخدمة ؟؟ مليون زبون في اليوم، ودخله السنوي يزيد على ؟؟ مليار دولار.

حتى دولة كالصين، سمحت بعد انفتاحها على العالم بدخول ماكدونالدز، فأصبح فيها ؟؟؟ محلا لماكدونالدز في سنة ؟؟؟؟، ولكن قررت ماكدونالدز أن تضيف في الصين مائة محل جديد كل عام، ليصل عدد محلات ماكدونالدز في الصين ألف محل مع افتتاح الدورة الأولمبية في بكين في أغسطس الماضي. (لاينافسها في ذلك إلا محلات كنتاكي التي قررت إضافة أربعمائة محل سنويا في الصين قبل افتتاح الدورة الأولمبية!).

كانت نسبة محلات ماكدونالدز التي تعمل ؟؟ ساعة في اليوم وفي جميع أيام الأسبوع أقل من واحد في المائة في سنة ؟؟؟؟ فأصبحت أربعين في المائة في أواخر سنة ؟؟؟؟. لقد أصبح افتتاح محل جديد لماكدونالدز في أي مكان يعتبر من سكان هذا المكان حدثا مهما، إذ أصبح رمزا لنمط الحياة الأميركي أو النمط «الحديث» في الحياة، مما جعل كاتبا أميركيا مشهورا (توماس فريدمان) يكتب في أحد كتبه المشهورة أيضا (السيارة ليكساس وشجرة الزيتون) أن من المستحيل أن تقوم حرب بين دولتين إذا كان في كل منهما محل لماكدونالدز !

نحن نستطيع بسهولة أن نرى أوجه الشبه بين محلات ماكدونالدز والمحلات الأخرى لتناول المأكولات أو المشروبات بسرعة، لمحلات كينتاكي وبيتزا هت، وشيليز، وفرايدييز وستارباك وكوستا.. الخ.

ولكن الكتاب الذي نحن بصدده يلفت نظرنا أيضا إلى أوجه شبه مهمة بين هذه المحلات كلها من ناحية وبين ظواهر أخرى آخذة في الانتشار، كمحلات السوبرماركت، والتليفون المحمول، وشبكة الاتصالات (internet)، بل وفي المدارس والجامعات والمستشفيات.. الخ.

فما هي السمات المشتركة في كل هذه الظواهر التي تنتمي إلى مجالات مختلفة من الحياة ؟ يحدد المؤلف هذه السمات في أربعة أمور : ؟) الكفاءة ؟) وإمكانية إخضاع الظاهرة للقياس ؟) وإمكانية التنبؤ الدقيق بما تقدمه من خدمات ؟) وخضوع المستهلكين والعاملين فيها لدرجة عالية من السيطرة أو من تقييد الحرية. وأنا أضيف إلى هذه السمات الأربع سمة أخرى ترتبط بها وهي ؟) اختفاء الطابع الشخصي في تقديم الخدمة والحصول عليها.

أما الكفاءة فتظهر في حالة ماكدونالدز، في سرعة تجهيز الطعام وتقديمه، وعدد المستهلكين الذين تتم خدمتهم في الساعة الواحدة أو الدقيقة، كما تظهر بالطبع في تحقيق ماكدونالدز لمعدل عالٍ من الربح. وأما القابلية للقياس فتظهر في كثرة الأشياء (التى تتم داخل ماكدونالدز) والتي يمكن حساب حجمها وأوصافها بالضبط، كحجم السندوتش، ووزن اللحم الذي يوضع فيه، والوقت الذي يستغرقه إعداده، وكمية البطاطس بالضبط التي تقدم لكل زبون.. الخ.

وأما إمكانية التنبؤ الدقيق فتظهر في أن زبون ماكدونالدز يعرف مقدما ما ينتظره بالضبط: ما الذي سيحصل عليه، وفي أي صورة، وطول الوقت الذي يستغرقه إعداده.. الخ. وأما خضوع المستهلك والعمال للسيطرة التامة فيظهر في عدة أمور: فالمستهلك لا يستطيع أن يطيل الجلوس في المحل أكثر من مدة محدودة (وقد صممت المقاعد بطريقة لا تسمح بأكثر من ذلك).

وكذلك الخدم، لا يمكنهم الاسترسال في الحديث لا مع الزبائن ولا مع بعضهم البعض، فيما لا لزوم له، وعليهم القيام بواجباتهم كما هو محدد لهم بالضبط وبالسرعة المحددة، بل وقد يؤمرون بالابتسام للزبائن وإلا وقع عليهم العقاب!

ويلاحظ المؤلف أن المستهلك أصبح يطالب أكثر فأكثر بأن يقوم بجزء من العمل الذي كان يقوم به الخدم من قبل، فقد يطلب منه استلام الطعام بنفسه، بدلاً من أن يأتي الطعام إليه، وأن يضيف بنفسه ما يريد أن يضيفه من سلطات أو مشهيات، وأن يتخلص من الأطباق الورقية، وأدوات الأكل المصنوعة من البلاستيك، لدى الانتهاء من الأكل، فلا ينتظر أن يجمعها الخدم من موائد... الخ.

أضف إلى ذلك أن كل هذا من شأنه القضاء على أي علاقة إنسانية يمكن أن تنشأ بين الزبون وبين من يقوم بخدمته، أو حتى بين من يقوم بالخدمة داخل المحل بعضهم ببعض. فالسرعة والسيطرة تتعارضان مع ذلك.

يمكن للقارئ بقليل من التأمل أن يكتشف أن هذه السمات موجودة أيضا، وتزداد انتشارا، في جوانب أخرى من جوانب حياتنا اليومية، مما نتناوله في مقال قادم.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu