كثيراً ما تنشغل الصحافة العربية، وبعض المتحاذقين في السياسة، بالانتخابات التي تجري خصوصاً في بعض مراكز الفعل الدولي والإقليمي التي تتمتع بتأثير أكبر في حركة وتطور الأحداث في منطقة الشرق الأوسط.

حين تستعيد شريط الأحداث، ستصل فوراً إلى استنتاج بأن الانتخابات الأميركية قد حصلت على تغطية مكثفة وواسعة قبل يوم الاقتراع بأسابيع وحتى بعد ظهور النتائج، وكأن تلك التغطية توحي بأن مصير العرب مرتبط بنتائج تلك الانتخابات. هذا صحيح إلى حد ما، لكن الصحيح يتحول إلى خطأ فادح حين يكون الدافع، هو البحث عن جديد في السياسة الأميركية، يمكن أن يشكل مدخلاً لإحياء أمل مفقود تاريخياً بالعثور لديها عما يساعد في معالجة الكثير من الأزمات والملفات التي تضج بها الحالة العربية، ولا تجد لها حلولاً.

الانتخابات الإسرائيلية حظيت وتحظى بدورها باهتمام وسائل الإعلام العربية وطيف واسع من المحللين والخبراء الذين عليهم أن يلبوا طلبات الفضائيات المتكاثرة، والتي تتمسك بالمهنية، والبحث عن الحقيقة، وبعضها يبالغ كثيراً في الحيادية والموضوعية، بما يبرر شكلاً من أشكال التطبيع مع العدو الإسرائيلي.

لعل السؤال الأهم الذي يتكرر توجيهه من قبل بعض الصحافيين للعديد من الخبراء، يتصل بالتوقعات، وبمدى تأثير نتائج الانتخابات على الأوضاع الفلسطينية من زاويتي الأمن والسلام. السؤال ينطوي ضمنياً على شكل من أشكال المراهنة على تبدل السياسات الإسرائيلية بتبدل الأحزاب التي تحظى بالفوز في تشكيل الحكومة الجديدة، وكأن تجربة ستين عاماً منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تكن كافية للوصول إلى الحقيقة المرة، وهي أن ليس ثمة فوارق جوهرية بين الأحزاب الرئيسية في إسرائيل، يمكن المراهنة عليها في البحث عما يريح الفلسطينيين والعرب.

وينطوي السؤال على شكل من أشكال الهروب من الأسئلة الجوهرية التي تتصل بالذات الفلسطينية والعربية، وكأن الأمر يتصل بعقلية تبيت وتصحو على التسليم الكامل بالعجز عن مواجهة التحديات التي تشكلها الدولة الإسرائيلية، فضلاً عما ينطوي عليه السؤال من وجود عقلية تسول الحلول والحقوق من الآخر.

وتبعاً لهذه الحالة السيكولوجية التي نمت وتراكمت آثارها السلبية عبر عقود من الصراع، والحروب العربية الفاشلة ضد إسرائيل، والتي تشكل واحداً من أبرز عناصر الفكر العربي المعاصر، نقول تبعاً لذلك ينساق الكثير من الكتاب وحتى المفكرين والسياسيين وراء تقسيمات بشأن اليسار واليمين في إسرائيل، تستند إلى معايير إسرائيلية داخلية أكثر مما تستند إلى معايير السياسة الخارجية خصوصاً بالنسبة للفلسطينيين والعرب.

لا يعني ذلك أن سياسات الأحزاب الإسرائيلية متطابقة، غير أن الفوارق بينها نسبية أولاً ثم ان الحد الأدنى الذي تلتقي عنده سياسات تلك الأحزاب خصوصاً الكبيرة منها، يكفي للتوصل إلى استنتاجات واضحة من أن السياسة الإسرائيلية عامة لا يمكن أن تستجيب للحد الأدنى من تطلعات الفلسطينيين والعرب وفي كثير من الأحيان كما في الانتخابات الأخيرة يوم الثلاثاء الماضي، حيث تنافست الأحزاب الرئيسية بشأن مَنْ مِنْ هذه الأحزاب الأكثر تطرفاً بالنسبة للفلسطينيين؟

علينا أن نتذكر بأنه إذا كان الليكود يقف على يمين حزب العمل الذي يوصف ظلماً باليسار، فإن العمل هو الذي يقف وراء معظم الحروب الإسرائيلية على العرب وربما يفوق سجله مما ارتكبته إسرائيل من مجازر بحق الفلسطينيين والعرب، أي سجل آخر. زعيم حزب العمل باراك يتفاخر خلال حملته الانتخابية بأنه الحزب الذي امتنع عن تقديم أي شيء للفلسطينيين.

وهو شخصياً بطل الحرب الإجرامية على قطاع غزة، وزميله الرئيس السابق للحزب عمير بيرتس، بطل الحرب الإجرامية على لبنان في يوليو العام 2006، وكلاهما يتحملان مسؤولية كبيرة وأساسية عن تشجيع الاستيطان والتسريع في عملية تهويد القدس، وفي نشر أكثر من ستمئة حاجز عسكري تقطع أوصال الضفة الغربية.

والحال أنه إذا كانت حكومة تحالف ما يسمى بالوسط (كاديما) واليسار (العمل) قد شنت خلال ثلاث سنوات حكمها حربين مجرمتين ضد لبنان وقطاع غزة، دون أن تتوقف يوماً الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين طيلة الوقت، وإذا كانت أيضاً هذه الحكومة، قد عطلت المفاوضات والعملية السلمية، وأمعنت وتوسعت في مصادرة المزيد من الأراضي، وزيادة أعداد المستوطنين في الضفة إلى أن اقترب عددهم من نحو ثلاثمئة ألف مستوطن، فإن حال الفلسطينيين مع حكومة جديدة لا يمكن أن تتشكل وتستقر بدون مشاركة الليكود ونتانياهو سيكون أكثر صعوبة وخطورة.

إن المقارنة بين ما يسمى باليسار واليمين والوسط هي مقارنة بين السيئ والأسوأ، الخطر والأشد خطورة على مستقبل الفلسطينيين وقضيتهم وحقوقهم وكل من هذه الأحزاب سيكون رهينة للتوازنات الحزبية والسياسية الأخرى.

تستدعي مثل هذه المطالعة أن تتحول الأسئلة في اتجاه الذات الفلسطينية والعربية، من حيث مدى استعدادها للتعامل المؤثر في سياسات المراكز الدولية الفاعلة في علاقاتها مع إسرائيل وأطراف المنطقة، وأيضاً في مدى استعدادها للتأثير المباشر في السياسات الإسرائيلية التي توغل أكثر فأكثر في عنصريتها تجاه الفلسطينيين.

وإذا كان مؤشر السياسة عبر الانتخابات يتجه إلى اليمين كمعسكر يحظى بأغلبية مقاعد الكنيست، فإن فوز إسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان الذي حصل على خمسة عشر مقعداً ويدعو جهاراً نهاراً إلى طرد الفلسطينيين أصحاب الأرض من الأراضي المحتلة عام 1948، إنما يقدم المؤشر الأشد خطورة، ويعكس تنامي العنصرية في المجتمع الإسرائيلي، بما ينبئ بإمكانية اشتداد الصراع داخل إسرائيل وتزايد حدة القمع والتمييز ضد العرب الذين يشكلون 20% من سكان إسرائيل.

مرة أخرى ماذا عن العامل الفلسطيني والعربي في مواجهة حكومة مختلطة يشارك فيها الليكود، أو يكلف الليكود بتشكيلها؟ إن الانقسام الفلسطيني الذي ساهم في تعميق وبلورة الانقسام على المستويين العربي والإقليمي لا يزال يشكل نقطة الضعف الأساسية التي تشجع السياسة الإسرائيلية على المضي قدماً في تصعيد العدوان وتجاهل الحقوق الفلسطينية والعربية.