في غمرة الجدل المحموم الذي استتبع دعوة زعيم حركة حماس خالد مشعل لإنشاء مرجعية للحركة النضالية الفلسطينية، والتي فهمها البعض على محمل الاتجاه إلى تأسيس كيان بديل من منظمة التحرير الفلسطينية، غفلت القوى المتشاكسة عن بضعة حقائق تتعلق بالمحددات الحاكمة تاريخيا وبالضرورة لقيام وأفول التنظيمات والأطر في المجال السياسي الفلسطيني بعامة.
ولأن جدلا كهذا قد يثور ويتجدد في لحظة أو أخرى، بالنظر إلى التشاحن المقيت بين يدي قوى الحركة الوطنية الفلسطينية، فان الأمر يستلزم استذكار هذه المحددات و إلقاء ضوء عليها ، بما يسهم في تجنيب المعنيين احتمال الوقوع في أخطاء يدفع ثمنها المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
ما نجادل به في هذا السياق أن مصير أي تنظيم فلسطيني فئويا كان أم جبهويا جامعا شأن منظمة التحرير، يبقى معلقا ببضعة عناصر حاكمة، أهمها اثنان بارزان :الإرادة الفلسطينية الذاتية البائنة والتوافق العربي بأغلبية ظاهرة.. كل التنظيمات الفلسطينية التي افتقدت لأحد هذين المحددين أو لكليهما آبت إما إلى الزوال والأفول في الحد الأقصى وإما إلى العجاف والضمور واللا فاعلية في الحد الأدنى.
فاللجنة التنفيذية للمؤتمرات الفلسطينية التي قادت الحركة الوطنية بين 1919 و1934 ذهب ريحها بمجرد تفرق كلمة القوى المنضوية تحتها وتفرق شملهم على عدد من الأحزاب. واللجنة العربية العليا التي ائتلفت في ظلها تلك الأحزاب وتصدرت الكفاح الوطني بين 1936 و1946، فقدت هيبتها وكلمتها المسموعة بسبب نشوب الخلافات الداخلية ومن ثم ضعف الإرادة الفلسطينية من جهة، ونزع الغطاء العربي عنها واستبدالها بمداخلة مباشرة من الجامعة العربية بما عرف بالهيئة العربية العليا من جهة أخرى.
ومع أن حكومة عموم فلسطين قامت عام 1948 بناء على إرادة فلسطينية استهدفت التصدي لآثار النكبة وتداعياتها الطازجة وقتذاك، إلا أن توفر هذا العامل وحده لم يدرأ عنها غائلة الجمود والاعتكاف اللذين أحاطا بها مطولا بالنظر لغياب الرضا العربي اللازم لإمدادها بطاقة الإقلاع والفعل فلسطينيا وإقليميا ودوليا.
ميزة منظمة التحرير وكلمة السر في حياتها لجهتي الامتداد الزمني والفاعلية الحركية أنها نشأت عن تلاقي العاملين الفلسطيني والعربي في لحظة فارقة، وأن هذا العناق لم يغادرها منذ 1964 على نحو يلحقها بمصائر سوابقها الدارسة.
مهم جدا لمن أراد استكناه صيرورة المنظمة، قوة وضعفا أو حتى استبدالها بغيرها، أن يراقب ويلحظ عن كثب حالة كل من هذين المحددين أولا ومدى العلاقة بينهما ثانيا.. فالخلل أو الفتور الذي يعتري أحدهما ينذر بأزمة في أداء المنظمة ووظائفها وحضورها التمثيلي وحياتها على الصعيد الداخلي أو الخارجي أو في كليهما معا.
لقد حدث شيء من هذا خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، حين اعتصرت المنظمة بين التراخي الفلسطيني الذاتي داخلها بما أنذر بتجويفها وذبولها وبين اهتزاز في حجم الدعم والرعاية العربية لها ولقضيتها.
ومن تزامن هذين المعطيين السلبيين وتعامدهما انكشفت المنظمة أو كادت دوليا، بل وإسرائيليا، وباتت عرضة لضغوط مؤلمة من كل صوب. وفيما يتعلق بأهل البيت الفلسطيني بالتحديد، ينبغي الاعتراف بأن ثمة من قصر في جنب المنظمة رغم كونه من بناتها و المستظلين بها وبتاريخها وشرعيتها، و ثمة من استمرأ العمل من خارجها مشككا في أهليتها التمثيلية الجامعة للقضية الوطنية.
والحق أن المشهدين الفلسطيني والعربي لم يخلوا من القوى الغيورة على حال المنظمة ومآلها، التي اجتهدت للاستدراك منبهة إلى المخاطر المحلقة في الأفق من محاور كثيرة، أهمها :زحف الكيان الوليد - السلطة الوطنية ـ على الكيان الأم، ومناهضة الفصائل اليافعة خارج المنظمة ولاسيما حركتي حماس والجهاد، والفتور النظامي العربي تجاهها.
ولإثارة الحمية حاجج أنصار المنظمة وحماتها أمام المعنيين بعدد من الدفوع القوية منها بلا حصر:أولا أن السلطة الوطنية محفوفة ببيئة وشروط ضاغطة إسرائيليا ودوليا، ولا طاقة لها بمواجهتها، قياسا بالمنظمة ذات الاعترافات المضمونة الأقوى وهوامش الحركة الأوسع.
ثانيا، أن الدول العربية لا يتعين عليها المسارعة بهجران المنظمة، التي أثبتت قدرة فذة على تمثيل الفلسطينيين ومخاطبتهم عبر عنوان واحد، وذلك عوضا عن مغامرة إيداعهم قيد التشظى الاجتماعي والسياسي والمسلح المقلق في طول العالم العربي وعرضه. كما أن هذه المنظمة تطلع بوظائف غير سياسية من شأنها تخفيف أعباء كثيرة عن الدول المضيفة لمختلف أنماط الفلسطينيين.
ثالثا، أن العالم بدوره لن يسعد جراء انفراط المنظمة التي تمثل أفضل محاور وشريك فلسطيني عقلاني محدد الأهداف ولديه الأهلية والقدرة على تصفيف الحالة الفلسطينية وإشراكها في غمرة أية عملية جادة للتسوية.
ومع صدقية أصحاب هذه الدفوع وسلامة دعوتهم، إلا أن أصواتهم التي بحت لسنوات ظلت بلا أصداء حقيقية. وبفعل الانتشاء اللحظي واللفظي المتقطع بمنتجات عملية التسوية، فشلت محاولات انتشال المنظمة وإفاقتها من غيبوبتها الممتدة، ولم تثبت جولات الحوار الموصولة بهذه الغاية جديتها في هذا المضمار. وكانت النتيجة هي استصغار البعض لمقام المنظمة ولقيمتها هبوطا إلى درك الدعوة إما إلى هجرانها وإزاحتها من المشهد الفلسطيني بالكلية وإما إلى تصنيع بديل كياني مواز لها أو بديل منها.
وفي تقديرنا أن اندياح التلاسن بهذا الخصوص مؤخرا يشي باستمرار الغفلة المذهلة عن الأسس الصارمة الحافة بقيام مثل هذا النظام السياسي وقعوده. لا تقتصر هذه الغفلة على فريق فلسطيني دون الآخر. فالعاطفون على ديمومة المنظمة بحاجة ماسة إلى ما هو أكثر من الدفاع النظري عن وجودها، لأن مياها كثيرة جرت من تحت جسرها على ما نعلم ويعلمون.
وبالطبع تعد مسئولية الزاعقين في وجهها ؛ الآملين في تنحيتها، أكبر من غيرهم وذلك بالنظر إلى استسهالهم للقضية وافتقادهم لحكمة النظرة الشاملة.. ولا ينتقص من هذه المسئولية القول بأن الأمر لا يعدو الطموح إلى «مرجعية للمقاومة»، إذ لن يفهم الآخرون في هذا العالم معنى ومغزى التمييز عندئذ بين منظمة أو كيان للمساومين المفاوضين وبين آخر للمقاومين.. وقد تكون المحصلة نكسة كبرى للجانبين، تخسر من جرائها القضية الأم.
نود القول بصيغة أخرى إن الحالة الفلسطينية لا تملك ترف بناء الكيانات السياسية وهدمها واستبدالها أو الإكثار أو الإقلال منها واستدعاء النصرة لها، بمجرد الإرادة الذاتية. أن أكثر الخلق رعاية للسفينة الفلسطينية وإيمانا بعدالة قضيتها، لن يبحروا بها ولن يفتحوا أبواب موانئهم لاستقبالها قبل أن يجابهوا ملاحيها بأطنان من الأسئلة الصعبة. . لم وكيف ولماذا ومن أين والى أين ؟!.. أسئلة حتما سيحار الملاحون في الإجابة عن كثير منها وسوف ينتهي بهم الأمر إلى مزيد من التزاحم والتلاوم وربما الاقتتال وإراقة الدماء بعد إراقة الوجوه والموارد والمكتسبات.